ابن خلدون
257
تاريخ ابن خلدون
وطوع ضاحية الشرق وقبائله وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المرية ونظم البلاد في طاعة السلطان واحتشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا به وكاثروا جنوده واستعمل السلطان على وانشر يس وعمل الجشم من بنى توجين وعقد لسعد بن سلامة ابن علي على بنى يدللتن وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعه محمد من الدولة واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط واختط السلطان بغربي تلمسان البلد الجديد لسكناه نزل عساكره وسماه المنصورية وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيد برجا آخر أقرب منه وترتفع شرفاته فوق خندقهم ويماصع المقاتلة بالسيوف من أعاليها ورتب المجانيق إلى رجمها ودكها فنالت من ذلك فوق الغاية واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم وربما ينفرد في طوافه بعض الأيام عن حاشيته فاهتبلوا الامر يحسبونه غرة وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطل على البلد حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم وأرسلوا عليه عقبان جنودهم واضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره وكاد أن ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير سويد ووصل الصائح إلى المعسكر من كل جانب فشمر جنود بنى عبد الواد إلى مراكزهم ثم دفعوهم عنها وحملوهم على هوة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا هلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بنى توجين ومحمد بن سلامة بن علي كبير بنى يدللتن منهم أيضا وغيرهم وكان يوما له ما بعده واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم واتصلت الحرب مدة عامين ثم اقتحمها السلطان غلا بالسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته وقاتل هنا لك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق ابن عثمان من أعياص عبد الحق نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه واستوفى خبره فهلك هو وابنه وابن أخيه وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها فقبض عليه واختبنه بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن ؟ ؟ تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه فاعترضه وقد غض الطرف بموكبه فأمر به في الحين فقتل واحتز رأسه وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتقريعه وذهب مثلا في الغابرين واقتحم السلطان البلد بكافة عساكره وتواقع الناس