ابن خلدون
248
تاريخ ابن خلدون
منتحلين للعلم وكان أبو محمد قاضيا بسبتة أيام أبى طالب وأبى حاتم وكان له معهم صهر ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطلب والجلالة وقرأ صناعة العربية على الأستاذ الغافقي وحذق فيها ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبي سعيد سنة خمس واحتملوا إلى غرناطة احتمل فيهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها وازداد علما وبصرا باللسان والحديث واستكتب بدار السلطان محمد المخلوع واختص بوزيره المتغلب على دولته محمد بن الحكيم الرندي فيمن اختص به من رؤساء بنى العز في ثم رجع بعد نكبة ابن الحكيم إلى سبتة وكتب عن قائدها يحيى بن مسلمة مدة ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع اقتصر على الكتابة وأقام منتحلا مذاهب سلفه في انتحال العلم ونزول المروءة ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد وتغلب على الامر ابنه أبو علي وكان محبا للعلم مولعا بأهله منتحلا لفنونه وكانت دولته خلوا من صناعة التراسل مذ عهد الموحدين للبداوة الموجودة في أولهم وحصل للأمير أبى على بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطن به لشأن ذلك وخلو دولتهم من الكتاب المرسلين وأنهم انما يحكمون الخط الذي حذقوا فيه ورأى الأصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصناعة فولع به وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم فيختصه الأمير أبو علي بمزيد بره وكرامته ويرفع مجلسه ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه حتى إذا أمضى عزيمته في ذلك أو عز إلى عامله بسبتة سنة ثنتي عشرة أن يشخصه إلى بابهم فقلده كتابته وعلامته حتى إذا خرج أبو علي على أبيه تحيز عبد المهيمن إلى الأمير أبى الحسن فلما صولح أبو علي على النزول عن البلد الجديد وكتب شرطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه وأمضى له السلطان ذلك وأنف الأمير أبو الحسن منها فأقسم ليقتلنه ان عمل بذلك فرفع عبد الله من أمره إلى السلطان ولاذ به وألقى نفسه بين يديه فرق لشكواه وأمره باعتزالهما معا والرجوع إلى خدمته وأنزله بمعسكره وأقام على ذلك واختصه منديل الكتاني كبير الدولة وزعيم الخاصة وأنكحه ابنته ولما نكب منديل جعل السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين وكان غفلا خلوا من الآداب فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب واصلاحها وانشائها حتى عرف السلطان له ذلك فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة فاضطلع بها ورسخت قدمه في مجلس السلطان وارتفع صيته واستمر على ذلك أيام السلطان وابنه أبى الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين والله سبحانه وتعالى خير الوارثين * ( الخبر عن صريخ أهل الأندلس ومهلك بطرة على غرناطة ) *