ابن خلدون
249
تاريخ ابن خلدون
كان الطاغية شانجة بن ادفونش قد تكالب على أهل الأندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة ثنتين وثمانين منذ غلب على طريف شغل السلطان يوسف بن يعقوب بعده ببني يغمراسن ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم وهلك شانجة سنة ثلاث وسبعين وولى ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبنى مرين حولا كاملا ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتد الحصار على المسلمين وراسل هراندة بن ادفونش صاحب برشلونة أن يشغل أهل الأندلس من ورائهم ويأخذ بحجزتهم فنازل المرية وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع ونصب عليها الآلات وكان منها برج العود المشهور بطول الأسوار بمقدار ثلاث قامات وتحمل المسلمون على احراقه فأحرق وحفر العدو تحت الأرض مسربا مقدار ما يسير فيه عشرون راكبا وتفطن المسلمون واحتفر قبالتهم مثله إلى أن نفذ بعضهم لبعض واقتتلوا من تحت الأرض وعقد ابن الأحمر لعثمان بن أبي العلاء زعيم الأعياص على عسكر بعثه مددا لأهل المرية فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانه فهزمهم عثمان واستلحمهم ونزل قريبا من معسكر الطاغية خلال ذلك على جبل الفتح وأقامت عساكره على سماتة واسطبونة وزحف العباس بن رحو بن عبد الله وعثمان بن أبي العلاء في العساكر لإغاثة البلدين فأوقع عثمان بعسكر اسطبونة وقتل قائدهم الفنش بيرش في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا ثم زحف عثمان لإغاثة العباس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصارى به فانفضوا الخبر زحفه وبلغ الخبر إلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتكة عثمان في قومه فسرح جموع النصرانية إليه ولقيهم عثمان فأوقع بهم وقتل زعماءهم وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالف أهل البلد إلى معسكره وانتهبوا محلاته وفساطيطه وأتيحت للمسلمين عليهم الكرة وامتلأت الأيدي من غنائمهم وأسراهم ثم هلك الطاغية اثر هذه الهزائم سنة ثنتي عشرة وهو هراندة بن شانجة وولى بعده ابنه الهنشة طفلا صغيرا جعلوه لنظر عمه دون بطرة بن شانجة وزعيم النصرانية جوان فكفلاه واستقام أمرهم على ذلك وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه فاهتبل النصرانية الغرة في الأندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وأناخوا عليها بعسكرهم وأممهم وبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبى العلاء من دولتهم ومحله من رياستهم وأنه مرشح للامر في قومه بنى مرين يخشى معه تفريق الكلمة وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمته حتى يتم الجهاد ويعيده إليهم حوطة على المسلمين ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبي العلاء لصرامته وعصابته من قومه فأخفق سعيهم واستلحموا وأطالت أمم النصرانية