ابن خلدون

175

تاريخ ابن خلدون

المسعود وعدوا عليه بمقعد حكمه من القصبة وهاجوه ببعض المحاورات فغضب ووثب عليه الرومي فقتله وطار برأسه الهاتف بسكك المدينة في شوال سنة سبع وأربعين وانتهبت داره واستبيحت حرمه ونصبوا قائد الروم لضبط البلد وبعثوا بيعتهم إلى المرتضى واتصل الخبر بالأمير أبى يحيى وهو منازل بلاد فازاز فأفرج عنها وأغذ السير إلى فاس فأناخ بعساكره عليها وشمر لحصارها وقطع السابلة عنها وبعثوا إلى المرتضى بالصريخ فلم يرجع إليهم قولا ولا ملك لهم ضرا ولا نفعا ولا وجد لما نزل بهم وجها غير أنه استجاش بالأمير أبى يحيى يغمراسن بن زيان على أمره وأغراه بعدوه وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته وتعلقت أطماع يغراسن بطروق بلاد المغرب فاحتشد لحركته ونهض من تلمسان للاخذ بحجزة الأمير أبى يحيى عن فاس وأجاب صريخ الخليفة لذلك وبلغ الأمير أبا يحيى خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلة البلد فجمر الكتائب عليها وصمد إليه قبل فصوله عن تخوم بلاده والتقى الجمعان باسيلى من بسائط وجدة فتزاحف القوم وأبلوا وكانت ملحمة عظيمة هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد إبراهيم بن هشام من بنى بعد الواد ثم انكشف بنو عبد الواد وهلك يغمراسن بن تاشفين من أكابر مشيختهم ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان وانكفأ الأمير أبو يحيى بعسكره للاخذ بمخنق فاس فسقط في أيدي أهلها ولم يجدوا وليجة من دون طاعته فسألوه الأمان فبذله لهم على غرم ما تلف له من المال بداره يوم الثورة وقدره مائة ألف دينار فتحملوها وأمكنوه من قياد البلد فدخلها في جمادى من سنة ثمان وأربعين وطالبهم بالمال فعجزوا ونقضوا شرطه فحق عليهم القول وتقبض على القاضي أبى عبد الرحمن وابن أبي طاطوا وابنه وابن حشار وأخيه المتولي كبر الفعلة فقتلهم ورفع على الشرفات رؤسهم وأخذ الباقين بغرم المال طوعا أو كرها فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادهم لاحكام بنى مرين وضرب الرهب على قلوبهم لهذا العهد فخشعت منهم الأصوات وانقادت الهمم ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة والله مالك الأرض ومن عليها سبحانه { الخبر عن تغلب الأمير أبى يحيى على مدينة سلا وارتجاعها من يده وهزيمة المرتضى بعدها } لما كمل للأمير أبى يحيى فتح مدينة فاس واستوسق أمر بنى مرين بها رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين فيها ثم تخطى إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين فملكها وتاخم الموحدين بثغرها واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق