ابن خلدون

157

تاريخ ابن خلدون

مشهورة وعند الله محتسبة معدودة ولما ارتحل العدو عن الحضرة وأخذ محمد بن عبد القوى في الانصراف إلى وطنه أسنى السلطان جائزته وعم بالاحسان وجوه قومه وعساكره وأقطعه بلاد مغراوة وأوماش من وطن الزاب وأحسن متقلبه ولم يزل بعد ذلك معتقلا بطاعته مستظهرا على عدوه بالانحياش إليه ولما استغلظ بنو مرين على يغمراسن بعد استيلائهم على أمصار المغرب واستبدادهم بملكه وصل محمد يده بهم في الاستظهار على يغمراسن وأوفد ابنه زيان بن محمد عليهم ولما نهض يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان سنة سبعين وأوقع بيغمراسن في الوقيعة التي هلك فيها ابنه فارس نهض محمد بن عبد القوى للقائه ومر في طريقه بالبطحاء وهي يومئذ ثغر لاعمال يغمراسن فهدمها ولقى يعقوب بن عبد الحق في ساحة تلمسان مباهيا بآلته فأكرم يعقوب وفادته وبر مقدمه ونازلوها أياما فامتنعت عليهم وأجمعوا على الافراج وتأنى لهم يعقوب بن عبد الحق متلوما عليها إلى أن يلحق محمد وقومه بلادهم حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ففعل وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم مائة من الجياد العتاق بالمراكب الثقيلة وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والأخبية والعملان وارتحلوا ولحق محمد بن عبد القوى بمكانه من جبل وانشريس واتصلت حروبه مع يغمراسن وكثر اجلابه على وطنه وعيثه في بلاده وهو مع ذلك مقيم على موالاة يعقوب واتحافه بالعتاق من الخيل والمستجاد من الطرف حتى أن يعقوب إذا اشترط على يغمراسن في مهادنته جعل سلمهم من سلمه وحربهم من حربه وبسببهم كان نهوض يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين لما اشترط عليه ذلك ولج في قبوله فنهض إليه وأوقع به بخرزوزة ثم أناخ عليه بتلمسان ووافاه هنالك محمد بن عبد القوى فلقيه بالقصاب وعاثوا في نواحي تلمسان نهبا وتخريبا ثم أذن يعقوب لمحمد وقومه في الانطلاق إلى بلادهم وتلوم هو بمكانه من ضواحي تلمسان مدة منجاتهم إلى مكانهم من وانشريس حذرا عليهم من اعتراض يغمراسن ولم يزل شأنهما ذلك إلى أن هلك يغمراسن بسدلونة من بلاد مغراوة خاتمة احدى وثمانين وفى خلال ذلك استغاظ بنو مرين على بنى عبد الواد واستوسق لمحمد هذا ملكه فتغلب على أوطان صنهاجة بجبال لمدية وأخرج الثعالبة من جبل تيطرى بعد أن غدر بمشيختهم وقتلهم فانزاحوا عنه إلى بسائط متيجة وأوطنوها واستولى محمد على حصن لمدية وهو المسمى بأهله لمدية بفتح اللام والميم وكسر الدال وتشديد الياء بعدها وهاء النسب في آخرها وهم بطن من بطون صنهاجة وكان المختط لها بلكين بن زيرى ولما استولى محمد عليها وعلى ضواحيها انزل أولاد عزيز بن يعقوب من حشمه بها وجعلها لهم موطنا وولاية وفر بنو صالح بن