ابن خلدون

110

تاريخ ابن خلدون

وتركوها قفرا ولحقت عساكر الموحدين فعاثوا فيها تخريبا ونهبا وألصقت جدرانها بالأرض وتنفس مخنق بجاية من الحصار وانكمش بنو عبد الواد إلى ما وراء تخومهم وفى خلال ذلك انتقض أبو علي ابن السلطان أبي سعيد على أخيه وصمد من مقره بسجلماسة إلى درعة وفتك بالعامل وأقام فيها دعوته كما نذكر ذلك بعد وطار الخبر إلى السلطان أبى الحسن بمحلته بتاسالت فنهض راجعا إلى المغرب لحسم دائه وراجع السلطان أبو تاشفين عزه وانبسطت عساكره في ضواحي عمله وكتب الكتائب وبعث بها مددا للسلطان أبى على ثم استنفر قبائل زناتة وزحف إلى تخوم المغرب سنة ثلاث وثلاثين ليأخذ بحجزة السلطان أبى الحسن عن أخيه وانتهى إلى الثغر من تاوريدت ولقيه هناك تاشفين ابن السلطان أبى الحسن في كتيبة جهزها أبوه معه هنالك لسد الثغور ومعه منديل بن حماسة شيخ بنى تيريفن من بنى مرين في قومه فلما برزوا إليه انكشف ورجع إلى تلمسان ولما تغلب السلطان أبو الحسن على أخيه وقتله سنة أربع وثلاثين جمع لغزو تلمسان وحصارها ونهض إليها سنة خمس وقد استنفذ وسعه في الاحتفال لذلك واضطربت بها عساكره وضرب عليها سياج الأسوار وسرادقات الحفائر أطيفت عليهم حتى لا يكاد الطيف يخلص منهم ولا إليهم وسرح كتائبه إلى القاصية من كل جهة فتغلب على الضواحي وافتتح الأمصار جميعا وخرب وجدة كما يأتي ذكر ذلك كله وألح عليها بالقتال يغديها ويراوحها ونصب المجانيق وانحجز بها مع السلطان أبى تاشفين زعماء زناتة من بنى توجين وبنى عبد الواد وكان عليهم في بعض أيامها اليوم المشهور الذي استلحمت فيه أبطالهم وهلك أمراؤهم وذلك أن السلطان أبا الحسن كان يباكرهم في الأسحار فيطوف من وراء أسواره التي ضربها عليهم شوطا يرتب المقاتلة ويثقف الأطراف ويسد الفروج ويصلح الخلل وأبو تاشفين يبعث العيون في ارتصاد فرصة فيه وأطاف في بعض الأيام منتبذا عن الجملة فكمنوا له حتى إذا سلك ما بين الجبل والبلد انقضوا عليه يحسبونها فرصة قد وجدوها وضايقوه حتى كاد السرعان من الناس أن يصلوا إليه وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانا وركب ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك جناحا عسكره وعقابا جحافله وتهاوت إليهم صقور بنى مرين من كل جو فانكشفت عساكر البلد ورجعوا القهقري ثم ولوا الادبار منهزمين لا يلوى أحد منهم على أحد واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه فكان الهالك يومئذ بالردم أكثر من الهالك بالقتل وهلك من بنى توجين يومئذ كبير الحشم وعامل جبل وانشريس ومحمد بن سلامة بن علي أمير بنى يدللتن وصاحب القلعة تاوغزوت وما إليها من عملهم وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما وأمثال استلحموا في هذه