ابن خلدون

111

تاريخ ابن خلدون

الوقعة فحط في هذا اليوم جناح الدولة وحطم منها واستمرت منازلة السلطان أبى الحسن إياها إلى آخر رمضان من سنة سبع وثلاثين فاقتحمها يوم السابع والعشرين منه غلابا ولجأ السلطان أبو تاشفين إلى باب قصره في لمة من أصحابه ومعه ولداه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي وعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من أعياص بنى مرين وهو الذي لحق بهم من تونس كما ذكرناه وسيأتي ذكره وخبره ومعه يومئذ ابنا أخيه أبو زيان وأبو ثابت فمانعوا دون القصر مستميتين إلى أن استلحموا ورفعت رؤسهم على عصى الرماح فطيف بها وغصت سكك البلد من خارجها وداخلها بالعساكر وكصت أبوابها بالزحام حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المذهب ما بين السقف ومسلك الباب وانطلقت الأيدي على المنازل نهبا واكتساحا وخلص السلطان إلى المسجد الجامع واستدعى رؤساء الفتيا والشورى أبا زيد عبد الرحمن وأبا موسى عيسى ابني الامام قدمهما من أعماله لمكان معتقده في أهل العلم فحضروه ورفعوا إليه أمر الناس وما نالهم من معرة العسكر ووعظوه فأناب ونادى مناديه برفع الأيدي عن ذلك فسكن الاضطراب وأقصر العيث وانتظم السلطان أبو الحسن أمصار المغرب الأوسط وعمله إلى سائر أعماله وتاخم الموحدين بثغوره وطمس رسم الملك لآل زيان ومعالمه واستتبع زناتة عصبا تحت لوائه من بنى عبد الواد وتوجين ومغراوة وأقطعهم ببلاد المغرب سهاما أدالهم بها من تراثهم من أعمال تلمسان فانقرض ملك آل يغمراسن برهة من الدهر إلى أن أعاده منهم أعياص سموا إليه بعد حين عند نكبة السلطان ابن الحسن بالقيروان كما نذكره فأومض بارقة وهبت ريحه والله يؤتى ملكه من يشاء { الخبر عن رجال دولته وهم موسى بن علي ويحيى بن موسى مولاه هلال وأوليتهم ومصاير أمورهم واختصاصهم بالذكر لما صار من شهرتهم وارتفاع صيتهم } فأما موسى بن علي الحاجب الهالك فأصله من قبيلة الكرد من أعاجم المشرق وقد أشرنا إلى الخلاف في نسبهم بين الأمم وذكر المسعودي منهم أصنافا سماهم في كتابه من الشاهجان والبرسان والكيكان إلى آخرين منهم وان مواطنهم ببلاد أذربيجان والشام والموصل وأن منهم نصارى على رأى اليعقوبية وخوارج على رأى البراءة من عثمان وعلى انتهى كلامه ( وكان ) منهم طوائف بجبل شهرزور من عراق العجم وعامتهم يتقلبون في الرحلة وينتجعون لسائمتهم مواقع الغيث ويتخذون الخيام لسكناهم من اللبود وجل مكاسبهم الشاء والبقر من الانعام وكانت لهم عزة وامتناع بالكثرة ورياسات ببغداد أيام تغلب الأعاجم على الدولة واستبدادهم بالرياسة ولما طمس ملك