ابن خلدون

415

تاريخ ابن خلدون

سنة خمس وثلاثين في عساكر من الموحدين وطبقات الجند والأولياء من العرب فحاصرها شهرا أو نحوه وقطع نخيلها فضاق مخنقهم بالحصار وتلاوموا في الطاعة واستبقوا بها إلى السلطان وفر الكثير من بنى العابد فلحقوا بقابس في جوار ابن مكي ونزل أهل البلد على حكم السلطان فتقبل طاعتهم وأحسن التجاوز عنهم بسط المعدلة فيهم وأحسن أمل ذوي الحاجات منهم وانكفأ راجعا إلى حضرته بعد أن آثرهم بسكنى ولده المخصوص بولاية عهده الأمير أبى العباس وأنزله من ظهرانيهم وعقد له على بلاد الجريد واحتمل مقدم روضة يحيى بن علي إلى الحضرة فلم يزل بها إلى أن هلك سنة أربع وأربعين واستبد الأمير أبو العباس بأمر الجريد واستولى على نفطة كما قدمناه وقيل لبنى الخلف وهم مدافع وأبو بكر عبد الله ومحمد وابنه أحمد بن محمد اخوة أربعة وابن أخيهم بنو الخلف من مدافع ونسبهم في غسان من طوالع العرب انتقل جدهم من بعض قرى نفزاوة إلى نفطة وتأثل بها وكان لبنيه بها بيت واستبد هؤلاء الاخوة الأربعة أزمان الشورى كما قدمناه ولما استولى السلطان أبو بكر على الجريد وأنزل ابنه أبا العباس بقفصة وعقد له على سائر أمصاره وأمضى طاعتهم وامتنعوا فسرح إليهم وزيره أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وجهزت له العساكر من الحضرة ونازلها وقطع نخلها ولاد أهلها بالطاعة وأسلموا بنى مدافع المتغلبين فضرب أعناقهم وصلبهم في جذوع النخل آية للمعتبرين وأفلت السيف منهم عليا صغيرهم لذمة اعتقدها له أبو القاسم بن عتو لنزوعه إليه قبل الحادثة فكانت واقيته من الهلكة واستولى الأمير أبو العباس على نفطة واستضافها إلى عمله ثم مرض أبو بكر بن يملول في طاعته فنهض إليه السلطان أبو بكر من تونس سنة خمس وأربعين وكان الفتح كما قدمنا ولحق أبو بكر بن يملول ببسكرة فلم يزل بها إلى أن أجلب على توزر فنبذ إليه يوسف بن مزنى عهده وانتقل إلى حصون وادى ابن يملول المجاورة لتوزر وهلك سنة ست وأربعين ثم كان مهلك السلطان وابنه أبو العباس صاحب الاعمال الجريدية اثر ذلك سنة سبع وأربعين ورجع إلى كل مصر من الجريد مقدموه فرجع أحمد بن عمر ابن العابد إلى قفصة من مكانه في جوار ابن مكي واستولى على بلده في مكان ابن عمه يحيى ابن علي ورجع علي بن الخلف إلى نفطة واستبد بها ورجع يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول إلى توزر من مثوى اغترابه ببسكرة ارتحل إليها مع عمه أبى بكر طفلا فلما خلا الجريد من الامارة ودرج يحيى هذا من عشه في جوار يوسف بن منصور بن مزنى وأطلقه مع أولاد مهلهل من الكعوب بعد أن وصلهم وشاركهم واسترهن فيه أبناءهم فأوصلوه إلى محل رياسته بتوزر ونصبه شيعته وأولياء أبيه وقاموا بأمره ورجع أمر الجريد كله إلى