ابن خلدون
416
تاريخ ابن خلدون
رياسة مقدمه كما كان ثم وفدوا على السلطان أبى الحسن عند رجعته إلى إفريقية ولقوه بوهران فلقاهم مبرة وتكرمة ورجع كل إلى بلده وحمل رياسته بعد أن امتحن الجزيرة ووفر الاسهام والاقطاع وأنفذ الصكوك والكتب فرجع إلى توزر يحيى بن محمد ابن أحمد بن يملول صبيا مغتلما والى نفطة علي بن الخلف والى قفصة أحمد ابن عمه ابن العابد ونزل كل واحد من هذه الأمصار عاملا وحامية وعقد على الجريد كله لمسعود بن إبراهيم ابن عيسى اليرناني من طبقة وزرائه واستوصى بهؤلاء الرؤساء خيرا في جواره حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان سنة تسع وأربعين وارتحل عامل الجريد مسعود بن إبراهيم ونزل المغرب بمن معه من العمال والحامية ونمى خبره إلى الاعراب من كرفة فصبحوه في بعض مراحل سفره دون أرض الزاب فاستلحموه ومن كان معه من الحامية واستولوا على أفنيتهم وذخيرتهم وكراعهم واستبد رؤساء تلك البلاد بأمصارهم وعادوا إلى دينهم من التمريض وآذنوا بالدعاء لصاحب الحضرة بمنابرهم واستمروا على ذلك فأما يحيى بن محمد بن يملول فنزع إلى مناغاة الملوك في الشارة والحجاب واتخاذ الآلة والبيت المعمور للصلاة واقتعاد الأريكة وخطاب السمر بل وفسح للمجون والعكوف على اللذات مجالا يرى أن جماع السياسة والملك في إدارة الكاس وافتراش الآس والحجبة عن الناس والتأله على الندمان والجلاس وفتح مع ذلك على رعيته وأهل إيالته باب العسف والجور ورعى بيت المشاهير منهم غيلة فأتلفت نفوسهم وامتد أمره في ذلك إلى أن استولى السلطان أبو العباس على إفريقية وكان من أمره ما نذكر وأما جاره الجنب علي بن الخلف فلم يلبث لما استبد برياسته أن حج سنة أربع وستين والتزم مذاهب الخير وطرق الرضا والعدالة وهلك سنة خمس بعد وولى مكانه ابنه محمد جاريا على سننه ثم هلك لسنة من ولايته وقام بأمره أخوه عبد الله بن علي فأذكى سياسته وأوقع حزمه وأرهف للناس حده فنقموا عليه سيرته وتسنموا عنقه واستمكن مناهضهم في الشرف ومجاذبهم في رياسة البلد القاضي محمد بن خلف الله من صاحب الحضرة بذمة كانت له في خدمته قديما واستعمله لرعيها في خطة القضاء بحضرته وآثره بالمكان منه والصحبة فسعى بعبد الله هذا عند الخليفة ودله على مكامن هلكته وبصره بعورات بلده واقتياد عساكر السلطان إليه في زمامه ولما احتل بظاهر البلد وعبد الله رئيسها أشد ما كان قوة وأكثر جمعا وأمضى عزما استألف أخوه الخلف بن علي بن الخلف جماعة المشيخة دونه وحرضهم عليه وداخل القاضي بتبييتها وأنه بالمرصاد في اقتحامها حتى إذا كانت البيعة دس إلى بعض الأوغاد في قتل أخيه عبد الله ومكر بالقاضي والعسكر وامتنع عليهم واعتصم دونهم واستقل برياسة بلده وأقام على ذلك يناغي ابن يملول في سيره