ابن خلدون

414

تاريخ ابن خلدون

عمره من الدعار والأوغاد بمعاقرة الخمر والمجاراة في فنون الشباب لسير أمره والاستعلاء على نظائره حتى تطارحوا في هوة الهلاك بين فتيل ومغرب ونحيب العمران لم يعطفه عليه عواطف الرحم ولا زجره وازع التقوى والسلطان حتى خلا له الجو واستوسق الامر واستقل من أمر البلد والحل والعقد بأوفى من استبداد أبيه وكان مهلكه قريبا من استبداده لخمس سنين متلقيا الكرة من يده أخوه محمد تربه في الرياسة ومجاريه في مضمارها فأجرى إلى الغاية واقتعد كرسي الرياسة وعفى على آثار المشيخة واستظهر على أمره بمصانعة امراء البدو وأولاد أبى الليل والمتات إليهم بصهر كان عقده أبوه أحمد لأبي الليل جدهم على أخته أو عمته فكانوا ردأ له من الدولة فنفذ صيته وعظم استيلاؤه وامتدت أيامه وعنى الملوك بخطابه واسناد الأمور في تلك البلاد إليه خلال ما توعد الكرة وتهب ريح الدولة وزحف إليه القائد محمد بن الحكيم وتقبل طاعته من عذره استنامة لما ابتلاه من خلوصه وأقام على ذلك إلى أن هلك لعام أربع وأربعين من المائة الثامنة وتصدى ولده عبد الله للقيام بالأمر فوثب عليه عمه أبو زيد بن أحمد فقتله على جدث أبيه فلم يوارثه بعد أن كان الرضا به والتسليم فثارت به العامة لحينه وكان مصرا على سفك الدماء واستباحة الحرم واغتصاب الأموال حتى كان ينسب إلى الجنون مرة والى الكفر أخرى فمرج أمرهم واستولى الضجر على نفوسهم وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فراسله أهل توزر سرا وأطلقه السلطان من محبسه بعد أن أخذت عليه المواثيق بالطاعة والوفاء بالجباية فصمد إليها بمن في لفه من الاعراب وحشد نفزاوة والمجاورين لها في القرى الظاهرة المقدرة السير وأجلب عليهم ثم بيتها فاقتحمها وبادر الناس إلى القبض على يملول أخيه وأمكنوه منه فاعتقله بداره وتبرأ من دمه وأصبح لثالثة اعتقاله ميتا بمحبسه وكانت قفصة من قبل ذلك لما صار امر الجريد إلى الشورى قد استبد بها يحيى بن محمد بن علي بن عبد الجليل بن العابد من بيوتها ونسبهم بزعمهم في بلى ولهم حلف بزعمهم في الشريد من بطون سليم والله أعلم بأولية نزولهم بقفصة حتى التحموا بأهلها وانتظموا أمر بيوتاتها وكانت البيوت بها بيت بنى أبى حفص لعهد الأمير أبى زكريا الأعلى كان يستعمله على جباية أموال الجريد ثم سعى به أنه أصاب منها فنكبه وصودر على آلاف من المال فأعطاها وأقامت رياستهم متفرقة في هذه البيوتات ولما حدثت العصبية بالبلد أيام صار امر الجريد إلى الشورى كان بنو العابد هؤلاء أقوى عصبية من سائرهم واستبد بها كبيرهم يحيى بن علي فلما فرغ السلطان من شغله بزناتة وخيم السلطان أبو الحسن على تلمسان فحاصرها وأقبل السلطان على النظر في تمهيد ملكه واصلاح ثغوره وافتتح أمره بغزو قفصة ونهض إليها