ابن خلدون
190
تاريخ ابن خلدون
فاختلفوا على عبد الله بن ياسين امامهم وتحول عنهم إلى لمتونة وأقصر عن دعوته وتنسك وترهب كما قلناه حتى إذا أجاب داعية يحيى بن عمر وأبى بكر بن عمر من بنى ورتانطو بيت رياسة لمتونة واتبعهم الكثير من قومهم وجاهدوا معه سائر قبائل الملثمين وكان مسوقة قد دخل في دعوة المرابطين كثير منهم فكان لهم بذلك في تلك الدولة حظ من الرياسة والظهور وكان يحيى المسوقي من رجالاتهم وشجعانهم وكان مقدما عند يوسف بن تاشفين لمكانه في قومه واتفق أنه قتل بعض رجالات لمتونة في ملاحاة وقعت بينهما فتثاور الحيان وفرهو إلى الصحراء ففدى يوسف بن تاشفين القتيل ووداه واسترجع عليا من مفره لسنين من مغيبه وأنكحه امرأة من أهل بيته تسمى غانية بعهد أبيها إليه في ذلك فولدت منه محمدا ويحيى تحت ابن تاشفين وحجر كفالته ورعى لهما علي بن يوسف ذمام هذه الأمور وعقد ليحيى على غرب الأندلس وأنزله قرطبة وعقد لمحمد على الجزاير الشرقية ميورقة ومن ورقة ويابسة سنة عشرين وخمسمائة وانقرض بعد ذلك أمر المرابطين وتقدم وفد الأندلس إلى عبد المؤمن وبعث معهم أبا إسحاق براق بن محمد المصمودي من رجالات الموحدين وعقد له على حرب لمتونة كما يذكر في أخبارهم فملك إشبيلية واقتضى طاعة يحيى بن علي بن غانية واستنزله عن قرطبة إلى حمال والقليعة فسار منها إلى غرناطة يستنزل من بها من لمتونة ويحملهم على طاعة الموحدين فهلك هنا لك سنة ثلاث وأربعين ودفن بقصر باديس وأما محمد بن علي فلم يزل واليا إلى أن هلك وقام بأمره بعده ابنه عبد الله ثم هلك وقام بالأمر أخوه إسحاق بن محمد بن علي وقيل إن اسحق ولى بعد ابنه محمد وأنه قتله غيرة من أخيه عبد الله لمكان أبيه منه فقتلهما معا واستبد بأمره إلى أن هلك سنة ثمانين وخمسمائة وخلف ثمانية من الولد وهم محمد وعلى ويحيى وعبد الله والغاني وسير والمنصور وجبارة فقام بالأمر ابنه محمد ولما أجاز يوسف بن عبد المؤمن بن علي إلى ابن الربرتير لاختبار طاعتهم وأحسن وصوله نكر ذلك اخوته وتقبضوا عليه واعتقلوه وقام بالأمر أخوه علي بن محمد بن علي وتلوموا في رد ابن الربرتير إلى مرسله وحالوا بينه وبين الأسطول حين بلغهم أن الخليفة يوسف القسري استشهد في الجهاد باركش من العدوة وقام بالأمر ابنه يعقوب واعتقلوا ابن الربرتير وركبوا البحر في ثنتين وثلاثين قطعة من أساطيلهم وأسطوله وركب معه اخوته يحيى وعبد الله والغاني وولى على ميورقة عمه أبا الزبير وأقلعوا إلى بجاية فطرقوها على حين غفلة من أهلها وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان بايميلول من خارجها في بعض مذاهبه فلم تمانعه أهل البلد واستولوا عليها في صفر سنة احدى وثمانين واعتقلوا بها السيد أبا موسى بن عبد المؤمن كان قافلا من إفريقية يؤم المغرب