ابن خلدون
310
تاريخ ابن خلدون
ونبدأ أولا بخبر محمد بن سليمان المتولي بتحويل دولة بنى طولون كان أصله من ديار مضر من الرقة اصطنعه أحمد بن طوطون وخدمه في مصر ثم تنكر له وعامله في جاهه وأقاربه بما أحفظه وخشي على نفسه فلحق ببغداد ولقى بها مبرة وتكرمة واستخدمه الخلفاء وجعلوه كاتبا للجيش فما زال يغريهم بملك مصر إلى أن ولى هارون بن خمارويه وفشلت دولة بنى طولون بالشام وعاث القرامطة في نواحيه وعجز هارون عن مدافعتهم ووصل صريخ أهل الشأم إلى المكتفى فقام لدفع ضررهم عن المسلمين ودفع محمد بن سليمان لذلك وهو يومئذ من أعظم قواده فسار بالعساكر في مقدمته ثم أمره المكتفى باتباع القرامطة وأقام بالرقة فسار حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم واستلحمهم ودفع عن الشأم ضررهم ورجع بالقرمطي صاحب الشامة وأصحابه أسرى إلى المكتفى بالرقة فرجع إلى بغداد وقتلهم هنالك وشفى نفسه ونفس المسلمين منهم وكان محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفى عند وصوله إلى بغداد فأمره بالعود وبعث معه جماعة من القواد وأمده بالأموال وبعث دميانة غلام مازيار في الأسطول وأمره بالمسير إلى سواحل مصر ودخول نهر النيل والقطع عن أهل مصر ففعل وضيق عليهم وسار محمد بن سليمان والعساكر واستولى على الشأم وما وراءه فلما قارب مصر كاتب القواد يستميلهم فجاء إليه بدر الحمامي وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم وتتابع إليه القواد مستأمنين فبرز هارون لقتالهم فيمن معه من العساكر وأقام قبالتهم واضطرب عسكره في بعض الأيام من فتنة وقعت بينهم واقتتلوا فركب هارون ليسكنهم فأصابته حربة من بعض المغاربة كان فيها حتفه فقام عمه شيبان بن أحمد بن طولون بعده وبذل الأموال للجند من غير حسبان ولا تقدير ثم أباح نهب ما بقي منه يصطنعهم بذلك فنهبوه في ساعة واحدة وتشوف إلى جمع المال فعجز عنه واضطرب وفسد تدبيره وتسايل إلى محمد ابن سليمان جنده وفاوض أعيان دولته في أمره فاتفقوا على الاستئمان إلى محمد بن سليمان فبعث إليه مستأمنا فسار إليه ثم تبعه قواده وأصحابه فركب محمد إلى مصر واستولى عليها وقيد بنى طوطون وحبسهم وكانوا سبعة عشر رجلا وكتب بالفتح فأمره المكتفى باشخاص بنى طوطون جميعا من مصر والشأم إلى بغداد فبعث بهم ثم أمر باحراق القطائع التي بناها أحمد بن طوطون على شرقي مصر وكانت ميلا في ميل فأحرقت ونهب الفسطاط * ( ولاية عيسى النوشزي على مصر وثورة الخليجي ) * ولما اعتزم محمد بن سليمان على الرجوع إلى بغداد وكان المكتفى قد ولاه على مصر فولى المكتفى عيسى بن محمد النوشزي وقدم في منتصف سنة ثنتين وتسعين ثم ثار بنواحي مصر