ابن خلدون
208
تاريخ ابن خلدون
وبعث المهدى سنة ثنتين وعشرين جيشا في البحر مع يعقوب بن إسحاق فعاث في نواحي جنوة ورجعوا ثم بعث جيشه من قابل ففتحوا مدينة جنوة ومروا بسردانية فأحرقوا فيها مراكب وانصرفوا ولما كانت سنة خمس وعشرين انتقض أهل كبركيت على أميرهم سالم بن راشد وقاتلوا جيشه وخرج إليهم سالم بنفسه فهزمهم وحصرهم ببلدهم واستمد القائم فأمده بالعساكر مع خليل بن إسحاق فلما وصل إلى صقلية شكا إليه أهلها من سالم بن راشد واسترحمته النساء والصبيان وجاءه أهل كبركيت وغيرها من أهل صقلية بمثل ذلك فرق لشكواهم ودس إليهم سالم بأن خليلا انما جاء للانتقام منهم بمن قتلوا من العسكر فعاودوا الخلاف واختط خليل مدينة على مرسى المدينة وسماها الخالصة وتحقق بذلك أهل كبركيت ما قال لهم سالم واستمدوا للحرب فسار إليهم خليل منتصف ست وعشرين وحصرهم ثانية أشهر يغاديهم بالقتال ويراوحهم حتى إذا جاء الشتاء رجع إلى الخالصة واجتمع أهل صقلية على الخلاف واستمدوا ملك القسطنطينية فأمدهم بالمقاتلة والطعام واستمد خليل القائم فأمده بالجيش فافتتح قلعة أبي ثور وقلعة البلوط وحاصر قلعة بلاطنو إلى أن انقضت سنة سبع وعشرين فارتحل عنها وحاصر كبركيت ثم حبس عليها عسكرا للحصار مع أبي خلف بن هارون ورحل عنها وطال حصارها إلى سنة تسع وعشرين فهرب كثير من أهل البلد إلى بلد الروم واستأمن الباقون فأمنهم على النزول عن القلعة ثم غدر بهم فارتاع لذلك سائر القلاع وأطاعوا ورجع خليل إلى إفريقية آخر سنة تسع وعشرين وحمل معه وجوه أهل كبركيت في سفينة وأمر بخرقها في لجة البحر فغرقوا أجمعين ثم ولى على صقلية عطاف الأزدي ثم كانت فتنة أبى يزيد وشغل القائم والمنصور بأمره فلما انقضت فتنة أبى يزيد عقد المنصور على صقلية للحسن بن أبي الحسن الكلبي من صنائعهم ووجوه قواده وكنيته أبو الغنائم وكان له في الدولة محل كبير وفى مدافعة أبى يزيد غناء عظيم وكان سبب ولايته أن أهل بليرم كانوا قد استضعفوا عطافا واستضعفهم العدو لعجزه فوثب به أهل المدينة يوم الفطر من سنة خمس وثلاثين وتولى كبر ذلك بنو الطير منهم ونجا عطاف إلى الحصن وبعث للمنصور يعلمه ويستمده فولى الحسن بن علي على صقلية وركب البحر إلى مأزر وأرسى بها فلم يلقه أحد منهم وأتاه في الليل جماعة من كتامة واعتذروا إليه عن الناس بالخوف من بني الطير وبعث بنو الطير عيونهم عليه واستضعوه وواعدوه أن يعودوا إليه فسبق ميعادهم ودخل المدينة ولقيه حاكم البلد وأصحاب الدواوين واضطر بنو الطير إلى لقائه وخرج إليهم كبيرهم إسماعيل ولحق بن من انحرف عن بنى الطير فكثر جمعه ودس إسماعيل بعض غلمانه فاستغاث بالحسن من بعض عبيده