ابن خلدون
130
تاريخ ابن خلدون
قتلا وأسرا وسبيا وحاصر مدينتهم العظمى وعاث في نواحيها وقفل وقد كان ملك القسطنطينية توفلس بن نوفلس بن نوفيل بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية ويطلب مواصلته فكافأه عبد الرحمن عن هديته وبعث إليه يحيى العزال من كبار الدولة وكان مشهورا في الشعر والحكمة فأحكم بينهما المواصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس وفى سنة ست وثلاثين هلك نصر الحفى القائم بدولة الأمير عبد الرحمن وكان يضغن على مولاه ويمالئ ابنه عبد الرحمن على ابنه الاخر ولى عهده بما كانت أم عبد الله قد اصطنعته وكانت حظية عند السلطان ومنحرفة عن ابنه محمد ولى العهد فداخلت نصرا هذا في أمرها وداخل هو طبيب الدار في أن يسم محمدا ولى العهد ودس الطبيب بذلك إلى الأمير مع قهرمانة داره وان نصرا أكرهه على إذابة السم فيه وباكر نصر القصر ودخل على السلطان يستفهمه عن شرب الدواء فوجده بين يديه وقال له ان نفسي قد بشعته فأشر به أنت فوجم فأقسم عليه فلم يسعه خلافه فشربه وركب مسرعا إلى داره فهلك لحينه وحسم السلطان علة ابنه عبد الله وكان من بعدها مهلكه * ( وفاة عبد الرحمن الأوسط وولاية ابنه محمد ) * ثم توفى عبد الرحمن الأوسط بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل في ربيع الاخر سنة ثمان وثلاثين لاحدى وثلاثين سنة من امارته وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة وكانت أيامه أيام هدو وسكون وكثرت الأموال عنده واتخذ القصور والمنتزهات وجلب إليها الماء وجعل له مصنعا اتخذه الناس شريعة وزاد في جامع قرطبة رواقين ومات قبل أن يستتمه فأتمه ابنه محمد بعده وبنى بالأندلس جوامع كثيرة ورتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة ولما مات ولى مكانه ابنه محمد فبعث لأول ولايته العساكر مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح لاصلاح أسوارها وكان أهل طليطلة خربوها فرمها وأصلح حالها وتقدم إلى طليطلة فعاث في نواحيها ثم بعث الجيوش مع موسى بن موسى صاحب تطيلة فعاث في نواحي ألبة والقلاع وفتح بعض حصونها ورجع وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها فعاثوا فيها وفتحوا حصون برشلونة ورجعوا ثم سار محمد سنة أربعين في جيوشه إلى طليطلة فاستمدوا ملك جليقة وملك البشكنس فساروا لانجادهم مع أهل طليطلة فلقيهم الأمير محمد على وادى سليط وقد أكمن لهم فأوقع بهم وبلغ عدة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفا ثم سار إليهم سنة ثلاث وأربعين فأوقع بهم ثانية وأثخن فيهم وخرب ضياعهم فصالحوه ثم نكثوا وفى سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس ونزلوا بإشبيلية والجزيرة