ابن خلدون

322

تاريخ ابن خلدون

إليه بعض تلك السفن النهرية وكثير من المقاتلة فأمنهم وأقام شهرا لم يقاتلهم ثم عبى عساكره منتصف شعبان في البر والبحر وكانوا نحوا من خمسين ألفا وكان الزنج في نحو ثلاثمائة ألف مقاتل فأشرف عليهم ونادى بالأمان الا للخبيث ورمى بالرقاع في السهام بالأمان فجاء كثير منهم ولم يكن حرب ثم رحل من مكانه ونزل قريبا من المختارة ورتب المنازل من انشاء السفن وشرع في اختطاط مدينة لنزله سماها الموفقية فأكمل بناءها وشيد جامعها وكتب بحمل الأموال والميرة إليها وأغب الحرب شهرا فتتابعت الميرة إلى المدينة ورحل إليها التجار بصنوف البضائع واستبحر فيها العمران ونفقت الأسواق وجلبت صنوف الأشياء ثم أمر الموفق ابنه أبا العباس بقتال من كان من الزنج خارج المختارة فقاتلهم وأثخن فيهم فاستأمن إليه كثير منهم فأمنهم ووصلهم وأقام الموفق أياما يحاصر المحاربين ويصل المستأمنين واعترض الزنج بعض الوفاد الجائية بالميرة فامر بترتيب السفن على مخارج الأنهار ووكل ابنه أبا العباس بحفظها وجاءت طائفة من الزنج بعض الأيام إلى عسكر نصير يريدون الايقاع به فأوقع بهم وظفر ببعض القواد منهم فقتل رشقا بالسهام وتتابع المستأمنة فبلغوا إلى آخر رمضان خمسين ألفا ثم بعث الخبيث عسكرا من الزنج مع علي بن أبان ليأتوا من وراء الموفق إذا ناشبهم الحرب ونمى إليه الخبر بذلك فبعث ابنه أبا العباس فأوقع بهم وحملت الأسرى والرؤس في السفن النهرية ليراها الخبيث وأصحابه وظنوا ان ذلك تمويه فرميت الروس في المجانيق حتى عرفوها فظهر منهم الجزع وتكررت الحرب في السفن بين أبى العباس وبين الزنج وهو يظهر عليهم في جميعها حتى انقطعت الميرة عنهم فاشتد الحصار عليهم وخرج كثير من وجوه أصحابه مستأمنين مثل محمد بن الحرث القمي وأحمد اليربوعي وكان من أشجع رجاله القمي منهم موكلا بحفظ السور فأمنهم الموفق ووصلهم وبعث الخبيث قائدين من أصحابه في عشرة آلاف ليأتوا البطيحة من ثلاثة وجوه فيعبروا من تلك النواحي ويقطعوا الميرة عن الموفق وبلغ الموفق خبرهم فبعث إليهم عسكرا مع مولاه ونزل فأوقع بهم وقتل وأسر وأخذ منهم أربعمائة سفينة ولما تتابع خروج المستأمنة وكل الخبيث من يحفظها وجهدهم الحصار فبعث جماعة من قواده إلى الموفق يستأمنون وان يناشبهم الحرب ليجدوا السبيل إليه فأرسل ابنه أبا العباس إلى نهر الغربي وبه علي بن أبان فاشتد الحرب وظهر أبو العباس على ابن أبان وأمده الخبيث بابن جامع ودامت الحرب عامة يومهم وكان الظفر لأبي العباس وسار إليه المستأمنة الذين واعدوه وانصرف أبو العباس إلى مدينة الخبيث وقاتل بعض الزنج طمعا فيهم لقتلهم فتكاثروا عليه ثم جاءه المدد من قبل أبيه فظهر عليهم