ابن خلدون

323

تاريخ ابن خلدون

وكان ابن جامع قد صعد في النهر وأتى أبا العباس من ورائه وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبي العباس ورجع منهزمة الزنج فأجبت جماعة من غلمان الموفق وعدة من أعلامهم وحامى أبو العباس عن أصحابه حتى خلصوا وقوى الزنج بهذه الواقعة فاجمع الموفق العبور إلى مدينتهم بعسكره فعبى الناس لذلك من الغداة آخر ذي الحجة واستكثر من المعابر والسفن وقصدوا حصن أو كان بالمدينة وفيها أنكلاي بن الخبيث وابن جامع وابن أبان وعليه المجانيق والآلات فأمر غلمانه بالدنو منه فخاموا لاعتراض نهر لأتراك بينهم وبينه فصاح بهم فقطعوا النهر سبحا وتناولوا الركن بالسلاح يهدمونه ثم صعدوا عليه وملكوه ونصبوا به علم الموفق وأحرقوا ما كان عليه من الآلات وقتلوا من الزنج خلقا عظيما وكان أبو العباس يقاتلهم من الناحية الأخرى وابن أبان قبالته فهزمه ووصل أصحاب أبي العباس إلى السور فثلموه ودخلوا ولقيهم ابن جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواقفهم ثم توافي الفعلة فثلموا السور في مواضع ونصبوا على الخندق جسرا عبر عليه المقاتلة فانهزم الزنج عن السور واتبعهم أصحاب الموفق يقتلونهم إلى دير ابن سمعان فملكه أصحاب الموفق وأحرقوه وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا فبلغوا ميدان الخبيث فركب من هنالك وانهزم عنه أصحابه وأظلم الليل ورجع الموفق بالناس وتأخر أبو العباس لحمل بعض المستأمنين في السفن واتبعه بعض الزنج ونالوا من آخر السفن وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي فنال من أصحابه واستأمن بعض المنهزمين من الزنج والاعراب بعثوا بذلك من عبادان والبصرة وكان منهم قائده ريحان أبو صالح المعرى فأمنهم الموفق وأحسن إليهم وضم ريحان إلى أبي العباس وخرج في المحرم إلى الموفق من قواد الخبيث وثقاته جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان فأحسن إليه الموفق وحمله في بعض السفن إلى قصر الخبيث فوقف وكلم الزنج في ذلك وأقام الموفق أياما استجم فيها أصحابه فلما كان منتصف ربيع الثاني قصد مدينة الخبيث وفرق القواد على جهاتها ومعهم النقابون للسور ومن ورائهم الرماة يحمونهم وتقدم إليهم أن لا يدخلوا بعد الهزم الا باذنه فوصلوا إلى السور وثلموه وحاربوا الزنج من ورائه وهزموهم وبلغوا أبعد مما وصلوا إليه بالأمس ثم تراجع الزنج وحاربوا من المكامن فرجع أصحاب الموفق نحو دجلة بعد أن نال منهم الزنج ورجع الموفق إلى مدينته ولام أصحابه على تقدمهم بغير اذنه ثم بلغ الموفق ان بعض الاعراب من بنى تميم يجلبون الميرة إلى الزنج فبعث إليهم عسكرا أثخنوا فيهم قتلا وأسرا وجئ بالأسرى فقتلهم وأوعز إلى البصرة بقطع الميرة فانقطعت عن الزنج بالكلية وجهدهم الحصار وكثير المستأمنة وافترق كثير من الزنج في القرى والأمصار البعيدة وبث الموفق دعاته فيهم ومن أبى قتلوه وعرض