ابن خلدون

259

تاريخ ابن خلدون

إلى عسكره استمر على حصار بابك وانقطعت عنه الميرة من سائر النواحي ووجه صاحب مراغة إليه ميرة فلقيتها سرية من سرايا بابك فأخذوها ثم خلص إليه بغا بما معه من المال ففرقه في العساكر وأمر الأفشين قواده فتقدموا ليضيقوا الحصار على بابك في حصن البد ونزل على ستة أميال منه وسار بغا الكبير حتى أحاط بقرية البد وقاتلهم وقتلوا منهم جماعة فتأخر إلى خندق محمد بن حميد من القواد وبعث إلى الأفشين في المدد فبعث إليه أخاه الفضل وأحمد بن الخليل بن هشام وأبا خوس وصاحب شرطة الحسن بن سهل وأمره بمناجزتهم إلى الحرب في يوم عينه له فركبوا في ذلك اليوم وقصدوا البدو أصابهم برد شديد ومطر وقاتل الأفشين فغلب من بإزائه من أصحاب بابك واشتد عليهم المطر فنزلوا واتخذ بغا دليلا أشرف به على جبل يطل منه على الأفشين ونزل عليهم الثلج والضباب فنزلوا منازلهم وعمد بابك إلى الأفشين ففض معسكره وضجر أصحاب بغا من مقامهم في رأس الجبل فارتحل بهم ولا يعلم ما تم على الأفشين وقصد حصن البد فتعرف خبر الأفشين ورجع على غير الطريق الذي دخلوا منه لكثرة مضايقه وعقابه وتبعته طلائع بابك فلم يلتفت إليهم مسابقة للمضايق امامه وأجنهم الليل وخافوا على أثقالهم وأموالهم فعسكر بهم بغا من رأس جبل وقد تعبوا وفنيت أزوادهم وبيتهم بابك ففضهم ونهبوا ما كان معهم من المال والسلاح ونجوا إلى خندقهم الأول في أسفل الجبل وأقام بغا هنالك وكان طرحان كبير قواد بابك قد استأذنه أن يشتوا بقرية في ناحية مراغة فأرسل الأفشين إلى بعض قواده بمراغة فأسرى إليه وقتله وبعث برأسه ودخلت سنة اثنتين وعشرين فبعث المعتصم جعفرا الخياط بالعساكر مددا للأفشين وبعث اتياخ بثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند فأرسلها وعاد ورحل الأفشين لأول فصل الربيع ودنا من الحصن وخندق على نفسه وجاءه الخبر بأن قائد بابك واسمه أدين قد عسكر بإزائه وبعث عياله إلى بعض حصون الجبل فبعث الأفشين بعض قواده لاعتراضهم فسلكوا مضايق وسلقوا وأغاروا إلى أن لقوا العيال فأخذوهم وانصرفوا وبلغ الخبر أدين فركب لاعتراضهم وحاربهم واستنقذ بعض النساء وعلم بشأنهم الأفشين من علامات كان أمرهم بها ان رأى بهم ريبا فركب إليهم فلما أحسوا به فرجوا عن المضيق ونجا القوم وتقدم الأفشين قليلا قليلا إلى حصن البد وكان يأمر الناس بالركوب ليلا للحراسة خوف البيات فضجر الناس من التعب وارتاد في رؤس تلك الجبال أماكن يتحصن فيها الرجالة فوجد ثلاثة فأنزل فيها الرجالة بأزوادهم وسد الطرق إليها بالحجارة وأقام يحاصرهم وكان يصلى الصبح بغلس ثم يسير زحفا ويضرب الطبول ليزحف الناس