ابن خلدون

260

تاريخ ابن خلدون

لزحفه في الجبال والأودية على مصافهم وإذا امسك وقفوا وكان إذا أراد أن يتقدم المضيق الذي أتى منه عام أول خلف به عسكرا على رأس العقبة يحفظونه لئلا يأخذه الحرسة منه عليهم وكان بابك متى زحفوا عليه كمن عسكرا تحت تلك العقبة واجتهد الأفشين أن يعرف مكان الكمين فلم يطق وكان يأمر أبا سعيد وجعفرا الخياط وأحمد ابن الخليل بن هشام فيتقدمون إلى الوادي في ثلاثة كراديس ويجلس على تلك ينظر إليهم والى قصر بابك ويقف بابك قبالته في عسكر قليل وقد أكمن بقية العسكر فيشربون الخمر ويلعبون بالسرياني فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه برود الرود مصافا بعد مصاف الأقرب إلى العدو ثم الذي يليه وآخرين ترجع العسكر الذي عقبه المضيق حتى ضجرت الخرمية من المطاولة وانصرف بعض الأيام وتأخر جعفر فخرج الخرمية من البد على أصحابه فردهم جعفر على أعقابهم وارتفع الصياح ورجع الأفشين وقد نشبت الحرب وكان مع أبي دلف من أصحاب جعفر قوم من المطوعة فضيقوا على أصحاب بابك وكانوا يصدعون البد وبعث جعفر إلى الأفشين يستمده خمسمائة راجل من الناشبة فأتى له وأمره بالتحيل في الانصراف وتعلق أولئك المطوعة بالبد وارتفع الصياح وخرج الكمناء من تحت العقبة وتبين الأفشين أماكنهم واطلع على خدعتهم وانصرف جعفر إلى الأفشين وعاتبه فاعتذر إليه يستأمن الكمين وأراه مكانه فانصرف عن عتابه وعلم أن الرأي معه وشكا المطوعة ضيق العلوفة والزاد فأذن لهم في الانصراف وتناولوه بألسنتهم ثم طلبوه في المناهضة فأذن لهم ووادعهم ليوم معلوم ومجهز وحمل المال والزاد والماء والمحامل لجرجا وتقدم إلى مكانه بالأمس وجهز العسكر على العقبة على عادته وأمر جعفرا بالتقدم بالمطوعة وأن يأتوا من أسهل الوجوه وأطلق يده بمن يريده من الناشبة والنفاطين وتقدم جعفر إلى مكانه بالأمس والمتطوعة معه فقاتلوا وتعلقوا بسور لبد حي ضرب جمعهم ما به وجاء الفعلة بالفؤس وطيف عليهم بالمياه والأزودة ثم جاء الخرمية من الباب وكسروا على المطوعة وطرحوهم على السور ورموهم بالحجارة فنالت منهم وضعفوا عن الحرب ثم تناجزوا آخر يومهم وأمرهم الأفشين بالانصراف وداخلهم البأس من الفتح تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة ثم عاود الأفشين الحرب بعد أسبوعين وبعث من جوف الليل ألفا من الناشبة إلى الجبل الذي وراء البد حتى يعاينوا الأفشين من هذه الناحية فيرمون على الخرمية وبعث عسكرا آخر كمينا تحت ذلك الجبل الذي وراء البد وركب هو من الغداة إلى المكان الذي يقف فيه على عادته وتقدم جعفر الخياط والقواد حتى صاروا جميعا حول ذلك الجبل فوثب كمين بابك من أسفل الجبل