ابن خلدون

224

تاريخ ابن خلدون

ومحمد وموسى ثم تجردت عنه التهمة بعبد الملك بن صالح بن علي وكانوا أصدقاء له فسعى فيه ابنه عبد الرحمن بأنه يطلب الخلافة فحبسه عنه الفضل بن الربيع ثم أحضره من الغداة وقرعه ووبخه فأنكر وحلف واعترف لحقوق الرشيد وسلفه عليه فأحضر كاتبه شاهدا عليه فكذبه عبد الملك فأحضر ابنه عبد الرحمن فقال هو مأمور معذور أو عاق فاجر فنهض الرشيد من مجلسه وهو يقول سأصبر حتى أعلم ما يرضى الله فيك فإنه الحكم بيني وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإنه لا يؤثر هواه على رضا ربه ثم أحضره الرشيد يوما آخر فأرعد له وأبرق وجعل عبد الملك يعدد وسائله ومقاماته في طاعته ومناصحته فقال له الرشيد لولا ابقائي على بني هاشم لقتلتك ورده إلى محبسه وكلمه عبد الله بن مالك فيه وشهد له بنصحه فقال أطلقه إذا قال أما في هذا القرب فلا ولكن سهل حبسه ففعل وأجرى عليه مؤنه حتى مات الرشيد وأطلقه الأمين وعظم حقده على البرامكة بسبب ذلك فضيق عليهم وبعث إلى يحيى يلومه فيما ستر عنه من أمر عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين كيف يطلعني عبد الملك على ذلك وأنا كنت صاحب الدولة وهل إذا فعلت ذلك يجازيني بأكثر من فعلك أعيذك بالله ان تظن هذا الظن إلا أنه كان رجلا متجملا يسرني أن يكون في بيتك مثله فوليته ولا خصصته فعاد إليه الرسول يقول إن لم تقر قتلت الفضل ابنك فقال أنت مسلط علينا فافعل ما أردت وجذب الرسول الفضل وأخرجه فودع أباه وسأله في الرضا عنه فقال رضى الله عنك وفرق بينهما ثلاثة أيام ولم يجد عندهما شيئا فجمعهما واحتفظ إبراهيم بن عثمان بن نهيك لقتل جعفر فكان يبكيه ويبكى قومه حزنا عليهم ثم انتهى به إلى طلب الثار بهم فكان يشرب النبيذ مع جواريه ويأخذ سيفه وينادى وا جعفراه وا سيداه والله لأثأرن بك ولأقتلن قاتلك فجاء ابنه وحفص كان مولاه إلى الرشيد فأطلعاه على أمره فأحضر إبراهيم وأظهر له الندم على قتله جعفرا والأسف عليه فبكى إبراهيم وقال والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله فانتهره الرشيد وأقامه ثم دخل عليه ابنه بعد ليال قلائل فقتله يقال بأمر الرشيد وكان يحيى بن خالد محبوسا بالكوفة ولم يزل بها كذلك إلى أن مات سنة تسعين ومائة ومات بعده ابنه الفضل سنة ثلاث وتسعين وكانت البرامكة من محاسن العالم ودولتهم من أعظم الدول وهم كانوا نكتة محاسن الملة وعنوان دولتها * ( الصوائف وفتوحاتها ) * كان الرشيد على ما نقله الطبري وغيره يغزو عاما ويحج عاما ويصلى كل يوم مائة ركعة ويتصدق بألف درهم وإذا حج حمل معه مائة من الفقهاء ينفق عليهم وإذا لم يحج أنفق على ثلاثمائة حاج نفقة شائعة وكان يتحذى بآثار المنصور الا في بذل المال فلم ير خليفة