ابن خلدون
182
تاريخ ابن خلدون
الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى وأمنه المنصور وقيل بل أقام بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مران العجلي في خيول أرسلها المنصور فبعث به موثقا مع أبي الخطيب فأطلقه المنصور وأما عبد الله فقدم البصرة وأقام عند أخيه سليمان متواريا حتى طلبه وأشخص إليه ثم إن أبا مسلم أمن الناس بعد الهزيمة وأمر بالكف عنهم كان أبو مسلم لما حج مع المنصور يؤيد نفسه عليه ويتقدم بالاحسان للوفود واصلاح الطريق والمياه وكان الذكر له وكان الاعراب يقولون هذا المكذوب عليه ولما صدروا عن الموسم تقدم أبو مسلم ولقيه الخبر بوفاة السفاح فبعث إلى أبي جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة ولا رجع إليه ولا أقام ينتظره فغضب أبو جعفر وكتب إليه وأغلظ في العتاب فكتب يهنئه بالخلافة ويقدم إلى فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له فأبى وقدم أبو جعفر وقد خلع عبيد الله بن علي فسرح أبا مسلم لقتاله فهزمه كما مر وجمع الغنائم من عسكره فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها فغضب أبو مسلم وقال أنا أعين على الدعاء فكيف أخون الأموال وهم بقتل الخصيب ثم خلى عنه وخشي المنصور أن يمضى إلى خراسان فكتب إليه بولاية مصر والشأم فازداد نفارا وخرج من الجزيرة يريد خراسان وسار المنصور إلى المدائن وكتب إليه يستقدمه فأجابه بالامتناع والمسك بالطاعة عن بعد والتهديد بالخلع ان طلب منه سوى ذلك فكتب إليه المنصور ينكر عليه هذا الشرط وانه لا يحسن طاعة وبعث إليه عيسى بن موسى برسالة يؤنسه ويسليه وقيل بل كتب إليه أبو مسلم يعرض له بالخلع وانه قد تاب إلى الله مما جناه من القيام بدعوتهم وأخذ أبو مسلم طريق حلوان وأمر المنصور عمه عيسى ومشيخة بني هاشم بالكتاب على أبي مسلم يحرضونه على التمسك بالطاعة ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالمراجعة وبعث الكتب مع مولاه أبى حميد المرودوذي وأمره بملاينته والخضوع له بالقول حتى ييأس منه فإذا يئس يخبره بقسم أمير المؤمنين لأوكلت أمرك إلى غيرى ولو خضت البحر لخضته وراءك ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت فأوصل أبو حميد الكتب وتلطف له في القول ما شاء واحتج عليه بما كان منه في التحريض على طاعتهم فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم فأبى له من الاصغاء إلى هذا القول وقال والله لئن أتيته ليقتلنك ثم بعث إلى نيزك صاحب الري يستشيره فأبى له من ذلك وأشار عليه بنزول الري وخراسان من ورائه فيكون أمكن لسلطانه فأجاب أبا حميد بالامتناع فلما يئس منه أبلغه مقالة المنصور فوجم طويلا ورعب من ذلك القول وأكبره وكان المنصور قد كتب إلى