ابن خلدون

360

تاريخ ابن خلدون

فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي في مبانيهم فينقلونها من مصنع إلى مصنع لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلة العمران وقصوره عما كان أولا ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة فيعودون إلى البداوة في البناء واتخاذ الطوب عوضا عن الحجارة والقصور عن التنميق بالكلية فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر وتظهر عليها سيماء البداوة ثم تمر في التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدر لها به سنة الله في خلقه الفصل الحادي عشر في أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها ونفاق الأسواق انما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة والسبب في ذلك أنه قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه وأنهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد ونجار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السنبل وسائر مؤن الفلح وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات فالاعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم فأهل مدينة أو مصر إذا وزعت أعمالهم كلها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالأقل من تلك الأعمال وبقيت الاعمال كلها زائدة على الضرورات فتصرف في حالات الترف وعوائده وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمه فيكون لهم بذلك حظ من الغنى وقد تبين لك في الفصل الخامس في باب الكسب والرزق أن المكاسب إنما هي قيم الاعمال فإذا كثرت الاعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنق في المساكن والملابس واستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم والمراكب وهذه كلها أعمال تستدعى بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها فتنفق أسواق الاعمال والصنائع ويكثر دخل المصر