ابن خلدون
361
تاريخ ابن خلدون
وخرجه ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم ومتى زاد العمران زادت الاعمال ثانية ثم زاد الترف تابعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته واستنبطت الصنائع لتحصيلها فزادت قيمها وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية ونفقت سوق الاعمال بها أكثر من الأول وكذا في الزيادة الثانية والثالثة لان الاعمال الزائدة كلها تختص بالترف والغنى بخلاف الاعمال الأصلية التي تختص بالمعاش فالمصر إذا فضل بعمران واحد ففضله بزيادة كسب ورفه بعوائد من الترف لا توجد من الآخر فما كان عمرانه من الأمصار أكثر وأوفر كان حال أهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه على وتيرة واحدة في الأصناف القاضي مع القاضي والتاجر مع التاجر والصانع مع الصانع والسوقي مع السوقي والأمير مع الأمير والشرطي مع الشرطي * واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره مثل بجاية وتلمسان وسبتة تجد بينهما بونا كثيرا على الجملة ثم على الخصوصيات فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلمسان وهكذا كل صنف مع صنف أهله وكذا أيضا حال تلمسان مع وهران أو الجزائر وحال وهران والجزائر مع ما دونهما إلى أن تنتهي إلى المدر الذين اعتمالهم في ضروريات معاشهم فقط ويقصرون عنها وما ذلك إلا لتفاوت الاعمال فيها فكأنها كلها أسواق للأعمال والخرج في كل سوق على نسبته فالقاضي بفاس دخله كفاء خرجه وكذا القاضي بتلمسان وحيث الدخل والخرج أكثر تكون الأحوال أعظم وهما بفاس أكثر لنفاق سوق الاعمال بما يدعو إليه الترف فالأحوال أضخم ثم كذا حال وهران وقسنطينية والجزائر وبسكرة حتى تنتهي كما قلناه إلى الأمصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها ولا تعد في الأمصار إذ هي من قبيل القرى والمدر فلذلك تجد أهل هذه الأمصار الصغيرة ضعفاء الأحوال متقاربين في الفقر والخصاصة لما أن أعمالهم لا تفي بضروراتهم ولا يفضل ما يتأثلونه كسبا فلا تنمو مكاسبهم وهم لذلك مساكين محاويج إلا في الأقل النادر واعتبر ذلك حتى في أحوال الفقراء والسؤال فان السائل بفاس أحسن حالا من السائل بتلمسان أو وهران ولقد شاهدت بفاس السؤال يسألون أيام الأضاحي أثمان ضحاياهم ورأيتهم يسألون كثيرا من أحوال الترف واقتراح المآكل مثل سؤال اللحم والسمن