ابن حجة الحموي
187
خزانة الأدب وغاية الأرب
أنا والله أصلح للمعالي * وأمشي مشيتي وأتيه تيها وأمكن عاشقي من صحن خدي * وأعطي قبلتي من يشتهيها ومما ينسب إليها لحاظكم تجرحنا في الحشا * ولحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا * فما الذي أوجب جرح الصدود وكان ابن زيدون كثير الشغف بها والميل إليها وأكثر غزل شعره فيها وقد تقدم ذكر ميلها إليه بخلاف أهل عصره من أهل الأدب لحسن أدبه ولطائف شمائله وتقدمه على أهل زمانه وكان الوزير أبو عامر بن عبدوس كثير الهيمان بها واجتهد في التوصل إليها والاجتماع بها والاقتطاف من ثمار آدابها الغضة والتمتع بجمالها البارع فعجز عن ذلك لكثرة ميلها إلى ابن زيدون وتوصل إلى أن أرسل إليها امرأة من خواصه لتستميلها إليه وتعرفها عظم مقامه وسمو رتبته على غيره وتبالغ في التوصل إلى رغبتها فيه فبلغ ذلك ابن زيدون فأنشأ هذه الرسالة على لسان ولادة تتضمن سب الوزير أبي عامر والتهكم به وبنى غالبها على نوع التلميح وجعلها جوابا عنها فاشتهر ذكر الرسالة في الآفاق وأمسك الوزير ابن عبدوس عن التعرض إلى ولادة فمن سجعات الرسالة المبنية على التلميح قوله منها على لسان ولادة يخاطب الوزير ابن عبدوس حتى قالت إن باقلا موصوف بالبلاغة إذا قرن بك هذا التلميح فيه إشارة إلى عمرو بن ثعلبة الأيادي الذي يضرب به المثل في العي فيقال فلان أعيى من بأقل قال أبو عبيدة بلغ من عيه أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فلقيه شخص والظبي معه فقال له بكم اشتريته ففتح كفيه وفرق أصابعه وأخرج لسانه يشير إلى أحد عشر فهرب الظبي ومنها وهبنقة مستوجب لاسم العقل إذا أضيف إليك هذا التلميح يشير فيه ابن زيدون إلى يزيد ابن ثروان أحد بني قيس ابن ثعلبة الملقب بهبنقة المكنى بأبي الودعات لأنه نظم ودعا في سلك وجعله في عنقه علامة لنفسه لئلا يضيع وهو جاهلي يضرب به المثل في الحمق قيل إنه كان إذا رعى غنما أو إبلا جعل مختار المراعي للسمان ونحى المهازيل عنها وقال لا أصلح ما أفسد الله واختصم بنو راسب وبنو طفاوة في شخص يدعونه وأطلعوا هبنقة على أمرهم فقال ألقوه في البحر فإن رسب فهو من بني راسب وإن طفى فهو من بني طفاوة واشترى أخوه بقرة بأربعة أعنز فركبها فأعجبه عدوها فالتفت إلى أخيه وقال زدهم عنزا فضرب بها المثل للمعطي بعد إمضاء البيع ثم سار فرأى أرنبا تحت شجرة ففزع منها وهمز البقرة وقال الله نجاني ونجا البقرة * من جاحظ العينين تحت الشجرة ومنها وطويسا ما نور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك هذا التلميح يشير به إلى عيسى بن عبد الله مولى بني مخزوم وكنيته أبو النعيم كان مخنثا ماجنا ظريفا يسكن المدينة وهو أول من غنى على الدف بالعربية ولكن ضرب في شؤمه المثل فإنه ولد يوم قبض رسول الله وفطم يوم مات أبو بكر وختن يوم قتل عمر وزوج يوم قتل عثمان وكانت أمه تمشي بالنميمة بين نساء الأنصار ومن تلميح هذه الرسالة التي هي غاية في هذا الباب قوله منها يشير إلى ابن عبدوس والله لو كساك محرق البردين وحلتك مارية بالقرطين وقلدك عمرو الصمصامة وحملك الحرث على النعامة ما شككت في إياك ولا كنت إلا ذاك السجعة الأولى تشير في تلميحها إلى عمرو بن المنذر بن ماء السماء كان يسمى من شدة بأسه محرقا وقصة هذه التسمية استوفى أبو الفرج صاحب الأغاني شرحها في كتابه وأما قصة البردين فحكي أن الوفود اجتمعت عند محرق فأخرج من لباسه بردين وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما فقام عامر بن أحيمر فأخذهما فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى فقال له محرق أنت أعز العرب قبيلة فقال نعم لأن العز كله في معد والعدد في معد ثم في نزار ثم في مضر ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب فمن أنكر ذلك فليناظرني فسكت الناس فقال هذه عشيرتك كما