ابن حجة الحموي

167

خزانة الأدب وغاية الأرب

أولم يروا لأن الموعظة سمعية وقد قال بعدها أفلا يسمعون وانظر كيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعد الموعظة البصرية أفلا يبصرون ومن أظرف ما أنقله هنا من النقد اللطيف في هذا الباب أن قاضي القضاة عماد الدين ابن القضامي أخا شيخنا قاضي القضاة علاء الدين الحنفي نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه نظم قصيدة امتدح بها المقر المرحومي السيفي أرغون الأسعردي كافل المملكة الشريفة الحموية وعرضها قبل إنشادها للمدح على أخيه المشار إليه فانتهى منها في المديح إلى بيت يقول فيه خبير بتدبير الأمور فمن يرى * سوى ما يراه فهو في هذه أعمى فقال له شيخنا قاضي القضاة علاء الدين يجب أن تقول لأجل المناسبة المعنوية موضع خبير بصير وقد عدوا من محاسن الأمثلة المعنوية قول أبي الطيب المتنبي على سابح موج المنايا بنحره * غداة كان النبل في صدره وبل فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسبا معنويا صار البيت به متلاحما والذي عقد الناس عليه الخناصر في هذا الباب قول ابن رشيق القيرواني أصح وأقوى ما رويناه في الندا * من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا * عن البحر عن جود الأمير تميم قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية فإنه وفي المناسبة حقها وناسب في البيت الأول بين الصحة والقوة والرواية والخبر المأثور وناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة هذا مع صحة ترتيب العنعنة من حيث أنها جاءت صاغرا عن كابر وآخرا عن أول كما يقع في سند الأحاديث لأن السيول فرع الحيا أصله وكذلك الحيا فرع البحر أصله ثم نزل البحر منزلة الفرع وجود الممدوح منزلة الأصل للمبالغة في المدح وهذا غاية الغايات في هذا الباب أقول إنني زاحمت ابن رشيق القيرواني هنا بالمناكب وأبطلت موانع التعقيد لما دخلت معه إلى هذه المطالب وما ذاك إلا أنني امتدحت شيخي المشار إليه أولا مولانا قاضي القضاة ابن القضامي الحنفي بموشح بيت مخلصه تحفة في هذا الباب لأن مناسباته المعنوية رفعت عن محاسنها الحجاب وهو رقم السوالف يروي لي بمسنده * عن رقتي حيهم يا طيب مورده وثغرها قد روى لي قبل ما احتجبت * عن برق ذاك النقا أيام معهده والريق أمسى عن المبرد * يروي حديث العذيب مسند عن الصفا عن مذاق الشهد والعسل * عن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف محاسن هذا البيت ومناسباته المعنوية فإن برهانه غير محتاج إلى إقامة دليل وهذا الموشح نظمته بحماه المحروسة في مبادي العمر ورياحين الشبيبة غضة ولما طلبت إلى الأبواب الشريفة المؤيدية سنة خمس عشرة وثمانمائة ووصلت إلى الديار المصرية في التاريخ المذكور وجدته ملحنا وأهل مصر يلهجون به وبتلحينه كثيرا فتعين علي أن أثبت هنا منه شيئا ليحلو تكريره بمصر وتعرف رتبة قوافيه لأجل بيت المخلص الذي أوردته مثالا على نوع المناسبة المعنوية فمن غزل الموشح المذكور ماست بقامتها يوما بذي سلم * والشعر كالعلم المنشور للأمم فقلت يا قلب أعلام الهنا نصبت * ها أنت تخطر بين البان والعلم وأسود الخال مذ تبدى * في خدها همت فيه وجدا قالت وطلعتها كالشمس في الحمل * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل سألتها برد ما عندي من الكمد * وقلت نار الجوى قد أضعفت جلدي