ابن حجة الحموي

168

خزانة الأدب وغاية الأرب

قالت بريقي أطفئها إذا التهبت * يا برد ذاك الذي قالت على كبدي وغرقتني بدمع طرفي * وقالت اسمع كفيت خلفي ألم تخف بللا ناديت يا أملي * أنا الغريق فما خوفي من البلل منه بالله يا برق إن أومضت في الثغر * وحارس اللحظ في شك من الخبر قف بالثنيات واذكرني إذا عذبت * تلك النهيلات للوراد في السحر وأرسل عليل النسيم خلفي * فإنه قوة لضعفي عسى تصحح جسما بالفراق بلي * وربما صحت الأجسام بالعلل منه إنسان مقلتها لما رأى كلفي * بسيفه قد أقام الحد في تلفي فمت بالسيف قهرا والحشا نهبت * لكنني عند موتي مذ قرى شغفي ناديته والدموع طوفان * وقلت هذا فعال إنسان الام تعجل في قتلي بلا زلل * فقال لي خلق الإنسان من عجل وقد طال الشرح وخرجنا عما كنا فيه من المناسبة المعنوية وحسن ختامها بما أوردناه من كلام ابن رشيق القيرواني والبيت الذي أوردته من هذا الموشح وأما المناسبة اللفظية وهي دون رتبة المعنوية فهي الإتيان بكلمات متزنات وهي على ضربين تامة وغير تامة فالتامة أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة فمن شواهد التامة قوله سبحانه وتعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون ومن شواهده التامة في السنة الشريفة قول النبي مما كان يرقي به الحسنين عليهما السلام أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ولم يقل عليه السلام ملمة وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة قول أبي تمام حبيب بن أوس مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامة وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليه فيها من المحاسن فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة والمساواة والاستثناء والطباق اللفظي وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين فأما المناسبة فيه فقد عرفت وأما التشبيه ففي قوله مها وقنا فإن التقدير كمها وكقنا وحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به وأما الاستثناء البديعي ففي قوله إلا أن هاتا أوانس وقوله إلا أن تلك ذوابل ليثبت للموصوفات التأنيس وينفي عنهن النفار والتوحش وكذلك فعل في الاستثناء الثاني فإنه أثبت لهن اللين ونفى عنهن اليبس والصلابة وأما المطابقة ففي قوله الوحش وأوانس وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب وتلك للبعيد وأما المساواة فلفظ البيت لا يفضل عن معناه ولا يقصر عنه وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واد واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال وكل لفظة منها لائقة بمعناها لا يكاد يصلح موضعها غيرها وأما التمكين فاستقرار قافية البيت في موضعها وعدم نفارها عن محلها انتهى الكلام على المناسبة اللفظية والمعنوية وتقرير التامة والناقصة من اللفظية فبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه عن النبي مؤيد العزم والأبطال في قلق * مؤمل الصفح والهيجاء في ضرم الشيخ صفي الدين لم يحتج في بيته إلى المناسبة المعنوية بل أتى باللفظية وعجبت منه كيف رضي لنفسه بقول القائل إذا كنت ما تدري سوى الوزن وحده * فقل أنا وزان وما أنا شاعر وليته أتى بالمناسبة اللفظية تامة فإنه في عالم الإطلاق غير مقيد بتسمية ومناسبته اللفظية الناقصة ظاهرة فقوله مؤيد العزم في وزن مؤمل الصفح وقوله والأبطال في قلق موازن والهيجاء في ضرم