ابن حجة الحموي

119

خزانة الأدب وغاية الأرب

إني لو كنت في حيز العدم لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي ليس لك مانع يمنعك عني فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله إلا أن تصد فأنت في القدرة علي غير ممنوع وهذا غاية المبالغة في المدح ومن الاستثناء نوع سماه ابن أبي الأصبع استثناء الحصر وهو غير الاستثناء الذي يخرج القليل من الكثير ونظم فيه قوله إليك وإلا ما تحث الركائب * وعنك وإلا فالمحدث كاذب فإن خلاصة هذا البيت قول الناثر للممدوح لا تحث الركائب إلا إليك ولا يصدق المحدث إلا عنك وهذا الحصر لا يحسن في الاستثناء الأول فإنه لو قال سبحانه وتعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وعاما صح لولا توخي الصدق في الخبر وقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس لا يمنع أن يقال ورهطه لولا مراعاة الصدق في الخبر وعلى منوال الاستثناء الأول الذي هو العمدة في هذا الباب نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير بزيادة معنى بديع يزيد على معنى الاستثناء فبيت الشيخ صفي الدين الحلي فكل ما سر قلبي واستراح به * إلا الدموع عصاني بعد بعدهم فبيت صفي الدين هنا غير خال من العقادة ومراده فيه أن كل شيء كان يسره قبل الفراق ويطيعه عصاه إلا الدموع فإنها أطاعته ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الناس كل ولا استثناء لي عذروا * إلا العذول عصاني في ولائهم مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الاستثناء أن عذوله خالف الإجماع وبيت بديعيتي عفت القدود فلم أستثن بعدهم * إلا معاطف أغصان بذي سلم قال الله تعالى كل حزب بما لديهم فرحون هذا البيت ما أعلم أنني إذا أطنبت في وصفه يكون الإطناب لشدة فرحي به لكونه نظمي أو لأن الأمر على حقيقته فإن زيادة معناه على معنى الاستثناء وغرابة أسلوبه وشرف نسيبه وحسن انسجامه وسهولة ألفاظه ومراعاة نظيره لا تخفى على المنصف من أهل الأدب وأما ترشيح تورية الاستثناء بذكر القدود والمعاطف فإنه من النسمات التي حركت القدود والمعاطف والتكميل بذي سلم لكون القصيدة نبوية في غاية الكمال والذي أقوله إنه ما يدخل نظر المتأمل إلى بيت أعمر منه في هذا الباب والله أعلم بالصواب ذكر التشريع طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا * على النقا فنعمنا في ظلالهم هذا النوع أعني التشريع سماه ابن أبي الأصبع التوأم وأراد بذلك مطابقة التسمية للمسمى فإن هذا النوع شرطه أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان القريض وقافيتين فإذا أسقط من أجزاء البيت جزأ أو جزأين صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول كقول الحريري يا خاطب الدنيا الدنية إنها * شرك الردي وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها * أبكت غدا تباً لها من دار وهي قصيدة كاملة معروفة في مقاماته من ثاني الكامل وتنتقل بالإسقاط إلى ثامنه فتصير يا خاطب الدنيا الدنية * إنها شرك الردى دار متى ما أضحكت * في يومها أبكت غدا وزيادة القافيتين ظاهرة ووقع قبل كلام الحريري من كلام العرب في هذا الباب وإذا الرياح مع العشي تناوحت * هوج الرمال بكثبهن شمالا ألفيتنا نفري الغبيط لضيفنا * قبل القتال ونقتل الأبطالا