ابن حجة الحموي
116
خزانة الأدب وغاية الأرب
وبيت بديعيتي ألم أصرح بتصدير المديح لهم * ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم ديباجة التورية في عجز هذا البيت وصدره لا تخفى على صاحب الذوق السليم ولو استقل هذا البيت بنظم نوع التصدير مجردا لم يكن تحته كبير أمر كبيت الحلي وبيت العميان ذكر القول بالموجب أو أسلوب الحكيم قولي له موجب إذ قال أشفقهم * تسل قلت بناري يوم فقدهم القول بالموجب ويقال له أسلوب الحكيم وللناس فيه عبارات مختلفة منهم من قال هو أن يخصص الصفة بعد أن كان ظاهرها العموم أو يقول بالصفة الموجبة للحكم ولكن يثبتها لغير من أثبتها المتكلم وقال ابن أبي الأصبع هو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه قال صاحب التلخيص في تلخيصه وإيضاحه القول بالموجب ضربان أحدهما أن تقع صفة من كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم وانتفائه كقوله تعالى يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم وبالأذل عن فريق المؤمنين وأثبتوا للأعز الإخراج فأثبت الله تعالى في الرد عليهم صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم انتهى كلام صاحب التلخيص ومنه قول القبعثري للحجاج لما توعده فقال لأحملنك على الأدهم والمراد به القيد فرأى القبعثري أن الأدهم يصلح للقيد والفرس فحمل كلامه إلى الفرس وقال مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب فصرف الوعيد بالهوان إلى الوعد بالإحسان وفي هذا ما لا يخفى على المتأدب من حسن التلطف وشدة الباعث على فعل الخير إذ لا يليق بمن له همة عالية أن يقال له مثلك من يفعل الخير فيقول لا بل أفعل الشر والقسم الثاني من كلام صاحب التلخيص أن القول بالموجب هو حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه وهذا القسم الذي تداوله الناس ونظمه أصحاب البديعيات كقول ابن حجاج قال ثقلت إذ أتيت مرارا * قلت ثقلت كاهلي بالأيادي قال طولت قلت أوليت طولا * قال أبرمت قلت حبل ودادي وحذاق البديع أخلوا هذا الباب من لفظة لكن فإنهم خصصوا بها نوع الاستدراك بحيث يفرق بينهما فرق دقيق وهذا هو الفرق ومن أحسن ما وقع في هذا النوع قول محاسن الشواء ولما أتاني العاذلون عدمتهم * وما فيهم إلا للحمى قارض وقد بهتوا لما رأوني شاحبا * وقالوا به عين فقلت وعارض وأورد الشهاب محمود في كتابه المسمى بحسن التوسل إلى صناعة الترسل بيت الأرجاني في الاستدراك شاهدا على هذا النوع وهو غالطتني إذ كست جسمي ضني * كسوة أعرت من اللحم العظاما ثم قالت أنت في الهوى * مثل عيني صدقت لكن سقاما قد تقرر أن لفظه لكن خصص بها أهل البديع نوع الاستدراك لأجل الفرق بينه وبين القول بالموجب ولم يستشهدوا على نوع الاستدراك بغير بيتي الأرجاني قال الشهاب محمود في البيتين إنه أعجبه معناهما ونظم فيه قوله وهو شاهد على القول بالموجب رأتني وقد نال مني النحول * وفاضت دموعي على الخد فيضا