ابن حجة الحموي

114

خزانة الأدب وغاية الأرب

وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته من كان يعلم أن الشهد مطلبه * فلا يخاف للدغ النحل من ألم فإنه حصر فيه الكلام الجامع بشروطه وأجراه مجرى المثل مع ما أودع فيه من الحكمة وزاد على ذلك بما كساه من ديباجة الرقة ولطف السهولة وحسن الانسجام وأما العميان فما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي كلامه جامع وصف الكمال كما * يهيج الشوق أنواعا من الريم قد تقرر إن الكلام الجامع هو أن يأتي الناظم ببيت جملته حكمة أو موعظة أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة ولا إيناس ملاءمة ولم أر لجريان المثل دخولا في باب هذا البيت وبيت بديعيتي جمع الكلام إذا لم تغن حكمته * وجوده عند أهل الذوق كالعدم حكمة هذا البيت ما أجريت مثلها على هذا النمط إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين فإني قررت أن ليس في كلامه الجامع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال فوجوده عند أهل الذوق كالعدم والله الموفق ذكر المناقضة إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا * وجر نمل ثبيرا إثر عيسهم المناقضة تعليق الشرط على نقيضين ممكن ومستحيل ومراد المتكلم المستحيل دون الممكن ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط فكأن المتكلم ناقض نفسه في الظاهر إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين ومثاله قول النابغة وإنك سوف تحكم أو تباهي * إذا ما شبت أو شاب الغراب فإن تعليقه وقوع حكم المخاطب على شيبة ممكن وعلى شيب الغراب مستحيل ومراده الثاني لا الأول لأن مقصوده أن يقول إنك لا تحكم أبدا والفرق بين المناقضة وبين نفي الشيء بإيجابه أن هذا الباب ليس فيه نفي ولا إيجاب ونفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط وبيت الشيخ صفي الدين في المناقضة وإنني سوف أسلوهم إذا عدمت * روحي وأحييت بعد الموت والعدم فتعليق الشرط بين النقيضين الممكن والمستحيل ظاهر والبيت في غاية الحسن والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت عز الدين إني أناقض عهد النازحين إذا ما شاب عزمي وشبت شهوة الهرم الشيخ عز الدين قرر في بيته وشرحه إن شيب العزم ممكن وشباب شهوة الهرم مستحيل فرأيت تصوير شيب العزم وإمكانه وسبك استعارته في قالب التشبيه كما تقرر في باب الاستعارة فيه أشكال فإنهم قالوا الاستعارة هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه ولم أر في شيب العزم وجها للمبالغة في التشبيه وعلى كل تقدير فالممكن والمستحيل في بيت عز الدين فيهما نظر وبيت بديعيتي إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا * وجر نمل ثبيرا إثر عيسهم تعليق الشرط على الممكن والمستحيل في هذا البيت أوضح من الكلام عليه والله أعلم بالصواب ذكر التصدير أو رد العجز على الصدر ألم أصرح بتصدير المديح لهم * ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم هذا النوع الذي هو رد الإعجاز على الصدور سماه المتأخرون التصدير والتصدير هو أخف على المستمع وأليق بالمقام وقد قسمه ابن المعتز على ثلاثة أقسام الأول ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها كقول الشاعر