الحاج حسين الشاكري
466
علي في الكتاب والسنة والأدب
الآيات ومنهن آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، فلا يغيب عنه استجلاء ما بها من الحكم والأحكام . وإنه ليجهر بتلاوته ، تلاوة محب مشوق ، فيتحرى صحة الضبط ، وسلامة النطق ، ودقة الأداء ، مستمتعا بعذوبة كلماته وفقراته مرنمة منغمة . فإذا هو يجمع إلى إحكام الوصل والوقف ، والمد والإمالة ، والإظهار والإدغام ، والتحريك والتسكين ، والتخفيف والتنوين ألوانا من الصور الصوتية التي توافق كل حرف وكلمة وآية ، وتطابق مغزاها ، حتى لتوشك المعاني أن تتجسد أمام العيون والنواظر قبل أن تطرق الأسماع إلى القلوب . . بحسه الجمالي المتميز ، وذهنه الألمعي الثاقب ، وإدراكه الروحي المشرق . قرأ القرآن فأحسن ترتيله ، وجمعه فاستظهر ما فيه ، وتدبره فبلغ أعماقه ووعى لباب معانيه . وعنت له اللغة العربية كما لم تعن لغيره ، لان صعبها ، وذل غريبها ، وتفتحت أبوابها ، فإذا هو مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها به ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها . فالمعلوم الثابت أنه هو الذي استولدها قواعدها ، واستنبطها أسسها ، وحدد لها جوامع الأصول التي لا بد أن تنهض عليها لتظل كحالها عند أهلها الأوائل ، سليمة التركيب ، مبرأة من عيوب اللحن والخطأ ، ومناقص التحريف والالتواء . إنه صاحب " علم النحو " الذي حفظ بناء العربية قائما ، ولولاه لمال ، ولشابها من لكنة الشعوب الغريبة التي دخلت الإسلام ما يغلب على نقاء جوهرها الأصيل ، ولتبدلت لغة أخرى غير لغة القرآن . ولاندثرت اندثار اللغات القديمة ، وماتت كاللاتينية التي غدت طللا دارسا بعد أن تبلبلت بها لهجات الأوروبيين .