الآخوند الخراساني

143

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

إن قلت : نعم ، لكن هذا كلّه إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد ، وأمّا إذا كان بأمرين تعلّق أحدهما بذات الفعل ، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره فلا محذور أصلا كما لا يخفى ( 1 ) ، فللآمر أن يتوسّل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا شبهة ( 2 ) . قلت : - مضافاً إلى القطع بأنّه ليس في العبادات إلاّ أمر واحد ، كغيرها من الواجبات والمستحبّات ، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجوداً وعدماً فيها المثوبات والعقوبات . بخلاف ما عداها ، فيدور فيه خصوص المثوبات ، وأمّا العقوبة فمترتّبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة - إنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرّد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال - كما هو قضيّة الأمر الثاني - فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله ، فلا يتوسّل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة ; وإن لم يكد يسقط بذلك ، فلا يكاد يكون له وجهٌ إلاّ عدمُ حصول غرضه بذلك من أمره ، لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله ، وإلاّ لما كان موجباً لحدوثه ، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدّد الأمر ، لاستقلال العقل - مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر - بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره ( 3 ) .

--> ( 1 ) هكذا أفاد المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : 335 . زعماً أنّه مراد الشيخ الأنصاريّ في التفصّي عن إشكال عباديّة الطهارات الثلاث . ولكن يأتي في مبحث مقدّمة الواجب أنّ الشيخ لم يلتزم بوجود الأمرين أصلاً ، بل صرّح بأنّ الأمر بذات العمل مغن عن أمر آخر . ( 2 ) وفي بعض النسخ : « بلا منعة » . ( 3 ) وقد استشكل فيه الأعلام الثلاثة : أمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على كلا شقّي الترديد وادّعى امكان الالتزام بالشقّين من دون محذور : أمّا الشقّ الأوّل : فلأنّ ذات الصلاة - مثلا - لها مصلحةٌ ملزمةٌ ، وللصلاة المأتي بها بداعي أمرها مصلحة ملزمةٌ أخرى ، فبموافقة الأمر الأوّل تحصل المصلحة القائمة بذات الصلاة ويسقط ، ولكن حيث أنّ المصلحة القائمة بالمأتي به بداعي الامتثال الأمر الأوّل لازمة الاستيفاء فيبدّل الامتثال بامتثال آخر ويجب إعادة المأتيّ به بداعي الأمر الأوّل . وأمّا الشقّ الثاني : فلأنّ الأمر الأوّل لا يسقط بمجرّد موافقته ، ولا يلزم لغويّة الأمر الثاني ، فإنّ لزوم الإتيان بقصد القربة إمّا من باب حكم العقل بلزوم الإتيان به بعنوانه ، وهو ممنوع ; أو من باب حكم العقل بلزوم الإتيان بما يحتمل دخله في الغرض ، وهو ممنوع أيضاً ، لأنّه انّما يحكم بذلك فيما إذا لا يتمكّن الآمر من بيانه ولو بأمر آخر ، والمفروض أنّه يتمكّن من بيانه بالأمر الثاني . نهاية الدراية 1 : 234 - 237 . وأمّا المحقّق العراقيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ انتفاء قابليّة الأمر للداعويّة لا يستلزم امتناع ثبوته بعد تصوّر غرض آخر له ، كايضاح المأمور به للمكلّف ، فلا يكون الأمر الثاني لغواً . بدايع الأفكار 1 : 232 . وأمّا المحقّق النائينيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ وظيفة العقل هي إدراك تعلّق إرادة الشارع بشيء وعدمه . وأمّا الآمريّة فليست من شؤونه حتّى يكون شارعاً في قبال الشارع ، فلا بدّ في حصول الغرض من تعدّد الأمر وكون الأمر الثاني داعياً إلى ما لا يدعو إليه الأمر الأوّل . وليس هذان الأمران عن ملاك يختصّ بكلّ واحد منهما حتّى يكون من قبيل الواجب في الواجب ، بل هناك ملاك واحد لا يمكن استيفاؤه بأمر واحد . ومن هنا اصطلحنا على الأمر الثاني ب‍ « متمّم الجعل » ، ومعناه : تتميم الجعل الأوّلي الّذي لم يستوف تمام غرض المولى . أجود التقريرات 1 : 116 ، وفوائد الأصول 1 : 162 . وبالجملة : فالأعلام ذهبوا إلى عدم الإشكال في أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر الثاني لو قلنا بتعدّد الأمر ، كما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ .