ملا محمد مهدي النراقي
42
جامع السعادات
مع عدم قدرته عليهما ، ولو لم تكن التوبة عما يماثل الشئ في المنزلة والدرجة توبة عن هذا الشئ ، لزم أن يكون باب التوبة مسدودا بالنسبة إلى مثل الشيخ الهرم وكل من صدر منه معصية والآن لا يقدر عليها ، وهو باطل ، لانفتاح باب التوبة إلى الموت ، ولما ذكر ، قال بعض المشايخ في حد التوبة : ( إنها ترك اختيار ذنب سبق مثله منه منزلة لا صورة تعظيما لله وحذرا من سخطه ) . فقوله : ( سبق مثله ) احتراز عن ترك ذنب لم يسبق مثله ، فإنه لا يسمى توبة بل تقوى ، وقوله : ( منزلة لا صورة ) لإدخال التوبة عما سبق ولا يقدر الآن على فعله ، وعلى هذا فتوبة العنين عن النظر واللمس وأمثال ذلك يكون توبة عن الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة ، والظاهر أن بناء ذلك على دلالة توبته عما يقدر عليه الآن ، على أنه لو كان قادرا على الزنا لتركه أيضا ، لإشعاره بأن توبته صدرت عن معرفة ويقين بضرر الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة ، فلو كان قادرا عليه لتركه أيضا . قال أبو حامد الغزالي : ( إن قلت : هل تصح توبة العنين من الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة ؟ قلت : لا : لأن التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله وما لا يقدر على فعله ، فقد انعدم بنفسه لا بتركه إياه ) ، ثم قال : ( ولكني أقول : لو طرأ عليه بعد العنة كشف ومعرفة تحقق به ضرر الزنا الذي قارفه ، وثار منه احتراق وتحسر وندم بحيث لو كانت شهوة الوقاع باقية لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها ، فإني أرجو أن يكون ذلك مكفرا لذنبه وماحيا عنه سيئته ، إذ لا خلاف في أنه لو تاب قبل طريان العنة ومات عقيب التوبة كان من التائبين ، وإن لم تطرأ عليه حالة تهيج فيها الشهوة وتتيسر أسباب قضاء الشهوة ، ولكنه تائب باعتبار أن ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف قصده عن الزنا لو ظهر قصده ، فإذن لا يستحيل أن تبلغ قوة الندم في حق العنين هذا المبلغ إلا أنه لا يعرفه من نفسه ، فإن كل من لا يشتهي شيئا يقدر نفسه قادرا على تركه بأدنى خوف ، والله مطلع على ضميره وعلى مقدار ندمه ، فعساه يقبله منه ، بل الظاهر أنه يقبله والحقيقة في هذا كله ترجع إلى أن ظلمة