ملا محمد مهدي النراقي

43

جامع السعادات

المعصية تنمحي عن القلب بشيئين : - أحدهما - حرقة الندم ، و - الآخر - شدة المجاهدة بالترك بالمستقبل ، وقد امتنعت المجاهدة بزوال الشهوة ، ولكن ليس محالا أن يقوى الندم بحيث يقوى على محوها دون المجاهدة ، ولولا هذا لقلنا : أن التوبة لا تقبل ما لم يعش التائب بعد التوبة مدة يجاهد نفسه في عين تلك الشهوة مرات كثيرة ، وذلك مما يدل ظاهر الشرع على اشتراطه . فصل وجوب التوبة التوبة عن الذنوب بأسرها واجبة : الإجماع ، والنقل ، والعقل ، : أما الإجماع - فلا ريب في انعقاده . وأما النقل - فكقوله تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) ( 42 ) . وقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ) ( 43 ) ومعنى النصوح : الخالص لله خاليا عن شوائب الأغراض ، من مال أو جاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب ، والأمر للوجوب ، فتكون التوبة واجبة بمقتضى الآيتين . وأما العقل - فهو أن من علم معنى الوجوب ومعنى التوبة فلا يشك في ثبوته لها . ( بيان ذلك ) : أن معنى الواجب وحقيقته هو ما يتوقف عليه الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد ، ولولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشئ وتركه لم يكن معنى لوجوبه ، فالواجب ما هو وسيلة وذريعة إلى سعادة الأبد . ولا ريب في أنه لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله والأنس به ، فكل من كان محجوبا عن اللقاء والوصال محروما عن مشاهدة الجلال والجمال ، فهو شقي لا محال ، محترق بنار الفراق ونار جهنم . ثم لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات النفسية والغضب والأنس بهذا العالم الفاني ، والإكباب على حب ما لا بد من مفارقته قطعا ، ويعبر عن

--> ( 42 ) التحريم ، الآية : 8 . ( 43 ) النور ، الآية : 31