ملا محمد مهدي النراقي

34

جامع السعادات

فصل مراتب الناس في ذكر الموت الناس بين منهمك في الدنيا خائض في لذاتها وشهواتها . وبين تائب مبتدئ ، وعارف منتهي . ( فالأول ) : لا يذكر الموت ، وأن ذكره فيذكر ليذمه لصده عما يحبه في الدنيا ، وهو الذي يفر منه ، وقال الله - تعالى - فيه ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) . . . ( 34 ) وهذا يزيده ذكر الموت بعدا من الله ، إلا إذا استفاد منه التجافي عن الدنيا ، ويتنغص عليه نعيمه ، ويتكدر صفو لذته ، وحين إذ ينفعه ، لأن كل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب نجاته . ( والثاني ) : يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف والخشية ، ففي بتمام التوبة ، وربما يكرهه خيفة من أن يختطفه قبل الاستعداد وتهيئة لزاد وتمام التوبة ، وهو معذور في كراهة الموت ، ولا يدخل تحت قوله ( ص ) : ( من كره لقاء الله كره الله لقاءه ) ، لأن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره ، وهو الذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقاءه على وجه يرضاه ، فلا يعد كارها للقاءه . وعلامة هذا : أن يكون دائم الاستعداد للموت لا شغل له سواه ، وإن لم يكن مستعدا له عاملا بما ينفعه في الآخرة التحق بالأول . ( وأما الثالث ) : فإنه يذكر الموت دائما ، لأنه موعد للقاء حبيبه ، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب ، وهذا في الغالب الأمر يستبطئ مجئ الموت ويحب مجيئه ، ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين كما روي : ( أن حذيفة لما حضرته الوفاة قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من رده ، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة ، والموت أحب إلي من الحياة ، فسهل علي الموت حتى ألقاك ) . وأعلى رتبة منه : من يفوض أمره إلى الله ، ولا يختار لنفسه شيئا : من الموت

--> ( 34 ) الجمعة ، الآية : 8