ملا محمد مهدي النراقي

33

جامع السعادات

ينفع ذكره في قلبه ، فالطريق فيه : أن يفرغ القلب عن كل شئ إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه ، كالذي يريد أن يسافر إلى بلد بعيد ما بينهما مفازة مخطرة ، أو بحر عظيم لا بد أن يركبه ، فإنه لا يتفكر إلا فيه ، ومن تفكر في الموت بهذا الطريق وتكرر منه ، لا ترى ذكره في قلبه ، وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وتنزجر نفسه عنها ، وينكسر قلبه ، ويستعد لأجله . وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله ، ونقلوا من أنس العشرة إلى وحشة الوحدة ، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مصاحبة الهوام والديدان ، ويتذكر مصرعهم تحت التراب ، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، ثم يتفكر كيف محي التراب الآن حسن صورتهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم ، وكيف أملوا نسائهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساكنهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأوحشت ديارهم ، فمهما تذكر رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية صيانة وتوهم صورته ، وتذكر نشاطه ، وأمله في العيش والبقاء ، ونسيانه للموت ، وانخداعه بمؤثثات الأسباب ، وركونه إلى القوة والشباب ، وميله إلى الضحك واللهو ، وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه ، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه ، وكيف دبر لنفسه الأمور وجمع من حطام الدنيا ما لا ينفق احتياجه إليه على مر الأعوام والشهور وذكر الأزمنة والدهور . ثم يتأمل أن مثلهم ، وغفلته كغفلتهم وسيصير حاله في القبر كحالهم ، فملازمة هذه الأفكار وأمثالها ، مع دخول المقابر وتشييع الجنائز ومشاهدة المرضى ، تجدد ذكر الموت في قلبه ، حتى يغلب عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه وذلك ربما يستعد له ويتجافى عن دار الغرور ، وأما الذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان فقيل الجدوى في النية والايقاظ ومهما طاب قلبه بشئ من أسباب الدنيا ، فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته كما نقل : أن بعض الأكابر نظر يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى وقال : والله لولا الموت لكنت مسرورا بها .