ملا محمد مهدي النراقي
312
جامع السعادات
هو منكر ونكير ، ومن سباع البوادي وحياتها وعقاربها حيات القبر وأفاعيها وعقاربها وديدانها ، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر ووحدته وكربته ، وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزودا لمخاوف القبر . فصل ما ينبغي في الميقات إذا دخل الميقات ، ولبس ثوبي الاحرام ، فليتذكر عند لبسها لبس الكفن ولفه فيه ، وأنه سيلقى الله ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة ، فكما لا يلقى بيت الله إلا بهيئة وزي يخالف عادته ، فكذلك لا يلقى الله بعد الموت إلا في زي يخالف زي الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب ، إذ ليس مخيطا ، كما أن الكفن أيضا ليس مخيطا . وإذا أحرم وتلبى ، فليعلم أن الاحرام والتلبية إجابة نداء الله ، فليرج أن يكون مقبولا ، وليخش أن يكون مردودا ، فيقال : لا لبيك ولا سعديك ! فليكن بين الخوف والرجاء مترددا ، وعن حوله وقوته متبرأ ، وعلى فضل الله وكرمه متكلا . فإن وقت التلبية هو بداية الأمر ، وهو محل الخطر . وقد روي : ( أن علي بن الحسين - عليهما السلام - لما أحرم ، واستوت به راحلته ، أصفر لونه وانتقص ، ووقعت عليه الرعدة ، ولم يستطع أن يلبي . فقيل له : لم لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن يقول ربي : لا لبيك ولا سعديك ! فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه ) فليتذكر الملبي عند رفع الأصوات في الميقات خائفا راجيا ، أنه إجابة لنداء الله تعالى : إذ قال تعالى : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) ( 55 ) . ويتذكر من هذا النداء نداء الخلق بنفخ الصور ، وحشرهم من القبور وازدحامهم في عرصات القيامة لنداء الله ، فمنقسمين إلى مقربين ومبعدين ، ومقبولين ومرددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء ، مثل تردد الحاج في الميقات ، حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا .
--> ( 55 ) الحج ، الآية : 27 .