ملا محمد مهدي النراقي
308
جامع السعادات
مواضعه قدمه الشريفة وأقدام سائر الأنبياء ، ولذلك سمي ب ( البيت العتيق ) وقد شرفه الله تعالى بالإضافة إلى نفسه ، ونصبه مقصدا لعباده ، وجعل ما حواليه حرما لبيته ، وتفخيما لأمره وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه ، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده ، وقطع شجره ، ووضعه على مثال حضرة الملوك ، فقصده الزوار من كل فج عميق ، ومن كل أوب سحيق ، شعثاء غبراء ، متواضعين لرب البيت ، ومستكنين له ، خضوعا لجلاله ، واستكانة لعزته وعظمته ، مع الاعتراف بتنزهه عن أن يحومه بيت أو يكتنفه بلد . ولا ريب في أن الاجتماع في مثل هذا الموضع ، مع ما فيه من حصول الموالفة والمصاحبة ، ومجاورة الأبدال والأوتاد والأخيار المجتمعين من أقطار البلاد ، وتظاهر الهمم ، وتعاون النفوس على التضرع والابتهال والدعاء الموجب لسرعة الإجابة بذكر النبي ( ص ) وإجلاله ونزول الوحي عليه ، وغاية سعيه واهتمامه في إعلاء كلمة الله ونشر أحكام دينه ، فتحصل الرقة للقلب ، والصفاء للنفس . ثم لكون الحج أعظم التكليفات لهذه الأمة ، جعل بمنزلة الرهبانية في الملل السالفة ، فإن الأمم الماضية إذا أرادوا العمل لأصعب التكاليف وأشقها على النفس ، انفردوا عن الخلق ، وانحازوا إلى قلل الجبال ، وآثروا التوحش عن الخلق بطلب الأنس بالله ، والتجرد له في جميع الحركات والسكنات ، فتركوا اللذات الحاضرة ، وألزموا أنفسهم الرياضات الشاقة ، طمعا في الآخرة وقد أثنى الله عليهم في كتابه ، وقال : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) ( 53 ) وقال تعالى ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) ( 54 ) . ولما اندرس ذلك ، وأقبل الخلق على أتباع الشهوات ، وهجروا التجرد لعبادة الله تعالى ، وفروا عنها ، بعث الله تعالى من سرة البطحاء محمد ( ص ) ، لإحياء طريق الآخرة ، وتجديد سنة المرسلين في سلوكها ، فمسألة أهل الملل من الرهبانية والسياحة في دينه فقال ( ص ) : ( أبدلنا بالرهبانية الجهاد ،
--> ( 53 ) المائدة : الآية 85 . ( 54 ) الحديد ، الآية : 27 .