ملا محمد مهدي النراقي

309

جامع السعادات

والتكبير على كل شرف - يعني الحج - ، وأبدلنا بالسياحة الصوم ) . فأنعم الله على هذه الأمة ، بأن جعل الحج رهبانية لهم ، فهو بإزاء أعظم التكاليف والطاعات في الملل السابقة . فصل ما ينبغي في الحاج ينبغي للحاج ، عند توجهه إلى الحج ، مراعاة أمور : الأول - أن يجرد نيته لله ، بحيث لا يشوبها شئ من الأغراض الدنيوية ، ولا يكون باعثه على التوجه إلى الحج إلا امتثال أمر الله ونيل ثوابه ، والاستخلاص من عذابه ، فليحذر كل الحذر أن يكون له باعث آخر ، مكنون في بعض زوايا قلبه ، كالرياء والحذر عن ذم الناس وتفسيقهم لولا يحج ، أو الخوف من الفقر وتلف أموالهم لو ترك الحج ، لما اشتهر من أن ( تارك الحج يبتلى بالفقر والإدبار ) ، أو قصد التجارة أو شغل آخر ، فإن كل ذلك يخرج العمل من الإخلاص ، ويحجبه عن الفائدة وترتب الثواب الموعود ، وما أجهل من تحمل الأعمال الشاقة التي يمكن أن تحصل بها سعادة الأبد ، لأجل خيالات فاسدة لا يترتب عليها سوى الخسران فائدة فيجتهد كل الجهد أن يجعل عزمه خالصا لوجه الله ، بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة ويتيقن أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص ، وأن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الملك وحرمه والمقصود غيره ، فليصحح في نفسه العزم ، وتصحيحه بإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء وسمعة . الثاني - أن يتوب إلى الله تعالى توبة خالصة ، ويرد المظالم ، ويقطع علاقة قلبه عن الالتفات إلى ما وراءه ، ليكون متوجها إلى الله بوجه قلبه ، ويقدر أنه لا يعود ، وليكتب وصيته لأهله وأولاده ، ويتهيأ لسفر الآخرة ، فإن ذلك بين يديه على قرب ، وما تقدمه من هذا السفر تهيئة لأسباب ذلك السفر ، فهو المستقر وإليه المصير . فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك عند الاستعداد لهذا ، فليتذكر عند قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة . الثالث - أن يعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت ، ويعلم أنه ترك الأهل والأوطان ، وفارق الأحبة والبلدان ، للعزم على أمر رفيع شأنه ،