ملا محمد مهدي النراقي
296
جامع السعادات
حوائجهم . فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه ، المشاهد أمره ، فهو مفتاح الخزائن النفيسة ، وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ، ودواء الأسقام الذي من سقي منه لم يسقم . ومنها - تعظيم المتكلم : فينبغي للقارئ عند الابتداء بالتلاوة ، أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ، ويعلم أنه ليس من كلام البشر ، بل هو كلام خالق الشمس والقمر ، وفي تلاوة كلامه غاية الخطر ، إذ كما لا ينبغي أن تمس جلده وورقه وحروفه البشرة المستقذرة بخبث أو حدث ، فكذلك لا ينبغي أن تقرؤه الألسنة المستخبثة بقبائح الكلمات ، وألا تحوم حول معناه القلوب المكدرة برذائل الأخلاق والصفات ، فكما أنه لا يصلح لمس ظاهر خطه كل يد ، بل هو محروس عن ظاهر بشرة اللامس ، إلا إذا كان متطهرا ، فكذلك لا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ، ولا لنيل معانيه كل قلب ، بل باطن معناه لعلوه وجلاله محجوب عن باطن القلوب ، إلا إذا كانت منقطعة عن كل رجس ، مستنيرة بنور التعظيم والتوقير . وبالجملة : ينبغي ألا يترك عند التلاوة تعظيم المتكلم له ، ليتحقق تعظيم الكلام أيضا ، إذ تعظيم الكلام بتعظيم المتكلم ، ولو لم تحضره عظمة المتكلم لغفلة قلبه ، فليرجع إلى التفكر في صفاته وأفعاله ، ويستحضر أن المتكلم هو الذي أوجد وأظهر بمجرد أرادته كل ما يشاهده ويسمعه ، من العرش والكرسي والسماوات والأرضين ، وما فيها وما تحتها وما فوقها ، وأنه الخالق والرازق للجميع ، والكل في قبضة قدرته مسخر أسير ، ومردد بين فضله ورحمته ، وبين نقمته وسطوته ، وجميع ذلك لا نسبة له إلى عوالم المجردات . فالتفكر في أمثال ذلك يوجب استشعار القلب لعظمة المتكلم والكلام . ولمثل هذا التعظيم كان بعضهم إذا نشر المصحف للتلاوة غشي عليه ، ويقول : ( هو كلام ربي ، هو كلام ربي ! ) . ومنها - الخضوع والرقة : قال الصادق ( ع ) : ( من قرأ القرآن ، ولم يخضع ولم يرق قلبه ، ولا ينشئ حزنا ووجلا في سره ، فقد استهان بعظيم شأن الله تعالى ، وخسر خسرانا مبينا ، فقارئ القرآن محتاج إلى ثلاثة أشياء : قلب خاشع ، وبدن فارغ ، وموضع خال . فإذا خشع لله قلبه فر