ملا محمد مهدي النراقي

29

جامع السعادات

( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) ( 29 ) وهو الذي انغمر في الدنيا وخاض في لذاتها ، وليس له من الآخرة نصيب . ( ومنهم ) من يأمل البقاء إلى أقصى مدة العمر الذي يتصور لأهل عصره ، وهو الذي يحب الدنيا حبا شديدا ، ويشتغل بجمع ما يمكنه في هذه المدة ، وربما يجتهد بجمع الأزيد منه . ( ومنهم ) من يأمل أقل من ذلك إلى أن ينتهي إلى من لا يأمل أزيد من سنة ، فلا يشتغل بتدبير ما وراءها ، ولا يقدر لنفسه وجوده في عام قابل ، فإن بلغه حمد الله على ذلك ، ومثله يستعد في الصيف للشتاء وفي الشتاء للصيف ، وإذا جمع ما يكفيه السنة أشتغل بالعبادة . ( ومنهم ) من يأمل أقل من السنة إلى أن ينتهي إلى من لا يأمل أزيد من يوم وليلة ، فلا يستعد إلا لنهاره دون غده . ( ومنهم ) من يكون الموت نصب عينيه ، كأنه واقع به وهو ينتظره ، ومثله يصلي دائما صلاة المودعين . وروي : ( أن النبي ( ص ) سئل بعض الصحابة عن حقيقة إيمانه ، قال : ما خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى ) . وكان بعضهم إذا يصلي يلتفت يمينا وشمالا ، ولما قيل له : ما هذا الالتفات ؟ قال : ( انتظر ملك الموت من أي جهة يأتيني ) . ثم أكثر الخلق - ( لا ) سيما في أمثال زماننا - قد غلبهم طول الأمل ، بحيث يأمل أقل من أقصى مدة السن ، وقل فيهم من قصر أمله ، والعجب أنه كلما يزداد السن يزداد طول الأمل وفي عصرنا أكثر المشايخ والمعمرين حرصهم وطول أملهم أكثر من الشبان ، ومن هنا قال رسول الله ( ص ) : ( يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان : الحرص ، وطول الأمل ) . وقال صلى الله عليه وآله : حب الشيخ شاب في طلب الدنيا ، وإن التفت ترقوتاه من الكبر ، إلا الذين اتقوا ، وقليل ما هم ) . ثم يعرف طول الأمل وقصره بالأعمال : فمن اعتنى بجمع أسبابها لا يحتاج إليها في سنة فهو طويل الأمل ، وكذلك من انتشرت أموره ، بأن يكون له مع الناس معاملات ومحاسبات إلى مدة معينة ، كالسنة وأزيد منها ، وكان

--> ( 29 ) البقرة ، الآية 96