ملا محمد مهدي النراقي
255
جامع السعادات
الآخرة ، فإن نظر إلى ظلمة تذكر ظلمة اللحد ، وإن نظر إلى نار تذكر نار جهنم ، وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم ، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور ، وإن نظر إلى صورة قبيحة تذكر صورة النكيرين والزبانية ، وإن رأى المحاسبة بين قوم تذكر محاسبة الآخرة ، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف له في آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول ، وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة . . . إلى غير ذلك . تتميم السر في إزالة الأوساخ السر في إزالة الأوساخ المذكورة عن البدن ظاهر ، فإنها توجب تنوير القلب ، وانشراح الصدر ، وطرد الشيطان . إذ هي كسافات مانعة عن النورية والتجرد ، فتشمئز منها الملائكة ، ويرغب إليها الشياطين . ومن تأمل في الأحكام والآداب التي جاء بها رسول الله ( ص ) ، وكانت له بصيرة ناقدة ، يعلم أن شيئا منها لا يخلو عن حكمة ، حتى أن ما صدر عنه في الآداب والحركات والأفعال والأقوال ، من ترتيب خاص ، أو تخصيص بعدد معين ، أو ابتداء من موضع خاص ، أو بواحد معين من الأشياء المتماثلة ، يتضمن حكما أو حكمة البتة . مثال ذلك : أنه ( ص ) كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا وفي عينه اليسرى اثنين ، والسر في هذا الترتيب وهذا التخصيص : أن اليمنى أشرف العينين فبدأ بها ، وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وترا ، فإن للوتر فضلا على الزوج ، لأن الله وتر يحب الوتر ، فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد عن مناسبة لوصف من أوصاف الرب ، وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر ، لأن اليسرى حين إذ لا تخصها إلا واحدة ، والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل ، وإنما خصص اليمين بالزيادة لأن التفضل لا بد منه للإيثار ، واليمين أفضل ، فهو بالزيادة أحق ، وإنما اقتصر على الاثنين لليسرى مع كونه زوجا ، إذ الزوجية في أحداهما لازمة ضرورية ، إذ لو جعل لكل واحد وترا لكان المجموع زوجا إذ الوتر مع الوتر زوج ، ورعاية الإيثار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة أحب من رعايته في الآحاد . مثال آخر . روى الجمهور