ملا محمد مهدي النراقي
245
جامع السعادات
الرضا فوقه ، لو قطع النظر عن كون الصبر شكرا أيضا ، ويكون الشكر فوق الرضا ، إذ الصبر مع التألم والرضا يمكن بما لا ألم فيه ولا فرح ، والشكر لا يمكن إلا على محبوب يفرح به ، ولو لم يعتبر في مفهوم الصبر الكراهة والتألم ، لصار الرضا والشكر في بعض درجاته ، إذ يمكن أن يصل حال العبد في الحب مرتبة لا يتألم من البلاء أو يفرح به ، لأنه يراه من محبوبه . وحينئذ ، فترك الشكوى في البلاء مع الكراهة صبر ، وبدونها رضا ، ومع الفرح به شكر . تنبيه القانون الكلي في معرفة الفضائل إعلم أن المعيار والقانون الكلي في معرفة فضائل الأعمال والأحوال وترجيح بعضها على بعض عند أرباب القلوب : أن العمل كلما كان أكثر تأثيرا في إصلاح القلب وتصفيته وتطهيره عن شوائب الدنيا ، وأشد إعدادا له لمعرفة الله وانكشاف جلاله في ذاته وصفائه وأفعاله ، كان أفضل . وعلى هذا القانون ، لولا الاتحاد والعينية والتلازم بينهما ، لكان اللازم أن يوازن بين كل درجة درجة من درجات الصبر والشكر وترجيح أحدهما ، إذ لكل منهما درجات مختلفة في تنوير القلب وتصفيته ، وسبب الاختلاف أسباب : منها - الاختلاف بين أقسام النعم وأقسام البلاء . ومنها - اختلاف مراتب المعرفة والفرح المأخوذين في الشكر ، واختلاف الطاعة التي تفعل في كل منهما صعوبة وسهولة . فربما كان بعض درجات الصبر أشد تنويرا وأكثر إصلاحا للقلب من بعض درجات الشكر ، وربما كان الأمر بعكس ذلك في بعض آخر من درجاتهما . فإن الأعمال والأحوال المندرجة تحت كل منهما كثيرة ، وباختلافها - كثرة وقلة - تختلف درجاتهما . فمن الأمور والأحوال التي تندرج تحت الشكر : حياء العبد من تتابع نعم الله عليه ، ومعرفته بتقصيره عن الشكر ، واعتذاره من قلة الشكر ، واعترافه بأن النعم ابتداء من الله - تعالى - من غير استحقاقه لها ، وعلمه بأن الشكر أيضا نعمة من نعمه ومواهبه ، وحسن تواضعه بالنعم ، والتذلل ، وقلة اعتراضه ، وحسن أدبه بين يدي المنعم وتلقي النعم بحسن القبول ، واستعظام