ملا محمد مهدي النراقي

242

جامع السعادات

( أن الشكاية أن تقول : ابتليت بما لم يبتل به أحد ، وأصابني ما لم يصب أحدا ، وليس الشكوى أن تقول سهرت البارحة ، وحميت اليوم ، ونحو ذلك ) . وقال الصادق ( ع ) : ( من اشتكى ليلة ، فقبلها بقبولها ، وأدى إلى الله شكرها ، كانت كعبادة ستين سنة ) ، قيل له : ما قبولها ؟ قال : ( يصبر عليها ولا يخبر بما كان فيها ، فإذا أصبح حمد الله على ما كان ) . تتميم التلازم بين الصبر والشكر إعلم أنه اختلف في أفضلية كل من الصبر والشكر على الآخر ، فرجح كلا منهما على الآخر طائفة . والظاهر أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر ، لأنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر . إذ الصبر على الطاعة وعلى المعصية هو عين الشكر ، لكون أداء الطاعة وترك المعصية شكرا ، كما مر في باب الشكر . والصبر على الشدائد والمصائب يستلزم الشكر ، لما مر من أن الشدائد والمصائب الدنيوية تتضمن نعما ، فالصبر على هذه الشدائد يستلزم الشكر على تلك النعم ولأن الصبر على المصائب هو حبس النفس عن الجزع تعظيما لله سبحانه - . وهذا هو الشكر بعينه ، لأنه تعظيم لله يمنع عن العصيان ، والشاكر يمنع نفسه عن الكفران مع ميل النفس إليه ، وهذا هو عين الصبر عن المعصية . وأيضا ، توفيق الصبر والعصمة من الجزع نعمة يشكر عليها الصابر ، فكل صبر يستلزم الشكر ، وبالعكس . وبالجملة : لا ريب في استلزام كل من الصبر والشكر للآخر ، فإن اجتماعهما في الطاعة وترك المعصية ، بل اتحادهما فيهما ، أمر ظاهر ، كما تقدم . وفي البلاء المقيد الدنيوي ، إذا حصل فيه الصبر ، فلا ريب في عدم انفكاكه عن تصور النعم اللازمة له ، ومن الثواب الأخروي ، وحصول الانزعاج عن الدنيا والرغبة إلى الآخرة ، فيشكر على ذلك . فهو لا ينفك عن الشكر ، لأنه يعرف هذه النعم من الله ، كما يعرف البلاء أيضا من الله فيفرح بالنعم ، ويعمل بمقتضى فرحه من التحميد وغيره . وفي النعمة المقيدة مثل المال ، إذا توسل به إلى تحصيل الدين ، فلا ريب في أنه كما تحقق فيه الشكر تحقق فيه الصبر أيضا . إذ في إنفاق المال وبذله في تحصيل الدين