ملا محمد مهدي النراقي
243
جامع السعادات
حبس النفس عما تحبه وتميل إليه ، وثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى . وفي البلاء المطلق ، كالكفر والجهل ، لا معنى لتحقق الشكر أو الصبر فيه ، وفي النعمة المطلقة كسعادة الآخرة والعلم وحسن الأخلاق ، كما يتحقق فيها الشكر يتحقق فيها الصبر أيضا . إذ تحصيل السعادة ، والعلم ، والأخلاق الفاضلة ، والابقاء عليها ، لا ينفك عن مقاومته مع الهوى ومنع النفس عما تميل إليه . مع أن الشكر عليهما يستلزم منع النفس عن الكفر وهو الصبر على المعصية . حتى أن شكر العينين بالنظر إلى عجائب صنع الله يستلزم الصبر عن الغفلة والنوم ، والنظر إلى ما تميل إليه النفس من النظر إلى غير المحارم وأمثال ذلك . فإن قيل : استلزام كل من الصبر والشكر للآخر مما لا ريب فيه ، إلا أن الكلام في أنه إذا لم يتحقق الاتحاد بينهما في فعل ، كما في فعل الطاعة وترك المعصية لكونهما متحدين فيهما ، بل تحقق الاستلزام الموجب لتحقق جهتين ، فأي الجهتين أفضل ؟ مثل أن يبتلى أحد بمصيبة دنيوية ، فصبر عليها ، بمعنى أنه عرف إنها من الله وحبس نفسه عن الجزع والاضطراب ، وشكر عليها أيضا ، بمعنى أنه عرف أن النعم اللازمة لها من الثواب الأخروي وغيرها من الله ، وفرح بها ، وعمل بمقتضى فرحه من التحميد أو طاعة أخرى ، فهل الأفضل حينئذ جهة الصبر ، أو جهة الشكر ؟ قلنا : التأمل يعطي : أن كل صبر هو شكر بعينه ، وبالعكس . فلا تتحقق بينهما جهتان مختلفتان حتى يتصور الترجيح بينهما . فإن الصبر على البلاء إنما هو حبس النفس عن الجزع تعظيما لله . وهذا هو عين الشكر إذ كل طاعة لله - سبحانه - شكر ، وفي الشكر على النعم المطلقة منع النفس عن الكفران ، وهو عين الصبر عن المعصية . فإن قلت : فعلى هذا ، يجتمع الصبر والشكر في محل واحد بجهة واحدة ، وقد تقدم أنهما متضادان ، إذ الصبر يستدعي ألما ، والشكر يستدعي فرحا ، وقد ذكرت أن اجتماع الصبر والشكر في محل واحد إنما يكون من جهتين متغايرتين لا من جهة واحدة . قلنا : امتناع الاتحاد فيهما إنما هو في الصبر والشكر على ما هو كان