ملا محمد مهدي النراقي

241

جامع السعادات

تتميم أن قيل : الصبر في المصائب إن كان المراد به ألا تكون في نفسه كراهة المعصية ، فذلك داخل تحت الاختيار ، إذ الإنسان مضطر إلى الكراهة ، فبماذا ينال درجة الصبر في المصائب ؟ قلت : من كان عارفا بالله وبأسرار حكمته وقضائه وقدره ، بأن يعلم يقينا بأن كل أمر صدر من الله وأبتلي به عباده من ضيق أو سعة ، وكل أمر مرهوب أو مرغوب على وفق الحكمة والمصلحة بالذات ، وما عرض من ذلك ممن يعده شرطا ، فأمر عرضي لا يمكن نزع الخير المقصود منه ، وإن ذلك إذا كان متيقنا له ، استعدت نفسه للصبر ومقاومة الهوى في الغم والحزن ، وطابت بقضائه وقدره ، وتوسع صدره بمواقع حكمه ، وأيقن بأن قضاءه لم يجر إلا بالخيرة . وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : ( اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين ) . ومن بلغ بهذه الدرجة ، يتلذذ وبكل ما يرد عليه . ومثله يتمتع بثروة لا تنفد ، ويتأيد بعز لا يفقد ، فيسرح في ملك الأبد ، ويعرج إلى قضاء السرمد . هذا مع أن العبد إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع ، وشق الجيوب ، وضرب الخدود ، والمبالغة بالشكوى ، وإظهار الكآبة ، وتغيير العادة في الملبس والمطعم ونحوها ، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره ، فينبغي أن يجتنب عنها ، ويظهر الرضا بقضاء ، ويبقى مستمرا على عادته ، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت ، ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب وجريان الدمع ، لأن ذلك مقتضى البشرية . لما مات إبراهيم ولد النبي ( ص ) فاضت عيناه بالدمع ، فقيل له : أما نهيتنا عن هذا ؟ قال : ( هذه رحمة ، إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) . وقال أيضا ( ص ) : ( العين تدمع والقلب يحزن ، ولا يقول ما يسخط الرب ) . بل ذلك لا يخرج عن مقام الرضا أيضا ، فإن المقدم على الفصد والحجامة راض به ، مع أنه متألم بسببه لا محالة . نعم ، من كمال الصبر كتمان المصائب ، لما ورد من أن كتمان المصائب والأوجاع والصدقة من كنوز البر . وقد ورد المدح في كثير من الأخبار على عدم الشكاية من الأمراض والمصائب . وقال الباقر ( ع ) ( الصبر الجميل ، صبر ليس به شكوى إلى الناس ) . وفي بعض الأخبار :