ملا محمد مهدي النراقي
237
جامع السعادات
اللسان من الغيبة والكذب ، ولو كانت مع ذلك مشتملة على تمام ما تقتضيه جبلة النفس من الاستعلاء والربوبية ، كالكلمات التي توجب نفي الغير ، والقدح فيه ، والثناء على ذاتها تصريحا أو تعريضا ، كان الصبر عنا أشد . إذ مثل ذلك - مع كونه مما تيسر فعله وصار مألوفا معتادا - انضافت إليه شهوتان للنفس فيه : إحداهما نفي الكمال من غيرها ، وأخراهما إثباته لذاتها . وميل النفس إلى مثل تلك المعصية في غاية الكمال ، إذ به يتم ما تقتضيه جبلتها من التفوق والعلو ، فصبرها عنها في غاية الصعوبة . وقد ظهر مما ذكر : أن أكثر ما شاع وذاع من المعاصي إنما يصدر من اللسان . فينبغي من كل أحد أن يجتهد في حفظ لسانه بتقديم التروي على كلام يريد أن يتكلم به ، فإن لم يكن معصية تكلم به ، وإلا تركه ، ولو لم يقدر على ذلك ، وكان لسانه خارجا عن إطاعته في المحاورات وجبت عليه العزلة والانفراد ، وتركه التكلم مع الناس ، حتى تحصل له ملكة الاقتدار على حفظه . ثم صعوبة الصبر وسهولته لما كانت تختلف في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعاصي قوة وضعفا ، فينبغي لكل طالب السعادة أن يعلم أن داعية نفسه إلى أي معصية أشد ، فيكون سعيه في تركها أكثر . ثم حركة الخواطر باختلاج الوساوس أيسر بكثير من حركة اللسان بقبائح الكلمات ، فلا يمكن الصبر عنها أصلا ، إلا بأن يغلب على القلب هم آخر في الدين يستغرفه ، كمن أصبح وهمومه هم واحد . وأكثر جولان الخاطر إنما يكون في فائت لا تدارك له ، أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدور . وكيف كان ، فهو تصور باطل ، وتضييع وقت . إذ آلة استكمال العبد قلبه ، فإذا غفل القلب في لحظة من ذكر يستفيد به أنسا بالله ، أو فكر يستفيد به معرفة بالله ، ويستفيد بالمعرفة حب الله ، فهو مغبون . الثاني - ما ليس حصوله مقدورا للعبد ، ولكنه يقدر على دفعه بالتشفي ، كما لو أوذي بفعل أو قول ، أو جني عليه في نفسه أو ماله ، فإن حصول الأذية والجناية وإن لم يرتبط باختياره ، إلا أنه يقدر على التشفي من المؤذي أو الجاني بالانتقام منه ، والصبر على ذلك بترك المكافات . وهو قد يكون واجبا ، وقد يكون فضيلة ، وهو أعلى مراتب الصبر .