ملا محمد مهدي النراقي
236
جامع السعادات
به على فاقده من إخوانه المؤمنين ، ويرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق ، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق ، وفي منصبه بإعانة المظلومين ، وكذلك في سائر ما أنعم الله به . والسر في كون الصبر عليها أشد من الصبر على البلاء : أنه ليس مجبورا على ترك ملاذ الدنيا ، بل له القدرة والتمكن على التمتع بها ، بخلاف البلاء ، فإنه مجبور عليه ، ولا يقدر على دفعه ، فالصبر عليه أسهل . ولذا ترى أن الجائع إذا لم يقدر على الطعام أقدر على الصبر منه إذا قدر عليه . وأما ما لا يوافق هواه وطبعه ، فله ثلاثة أقسام : الأول - ما يكون مقدورا للعبد ، كالطاعات والمعاصي . أما الطاعة ، فالصبر عليها شديد ، لأن النفس بطبعها تنفر عنها ، وتشتهي التقهر والربوبية كما يأتي وجهه ، ومع ذلك يثقل عليها بعض العبادات باعتبار الكسل ، وبعضها باعتبار البخل ، وبعضها باعتبارهما ، كالحج والجهاد ، فلا تخلو طاعة من اعتبار يشق على النفس أن تصبر عليه ، ومع ذلك يحتاج المطيع فيها إلى الصبر في حالات ثلاثة تتضاعف لأجلها الصعوبة ، إذ يحتاج إليها قبل العمل في تصحيح النية والاخلاص ، وتطهيرها عن شوائب الرياء ، وفي حالة العمل لئلا يغفل عن الله في أثنائه ، ولا يخل بشئ من وظائفه وآدابه ، ويستمر على ذلك إلى الفراغ وبعد الفراغ عنه ، لئلا يتطرق إليه العجب ، ولا يظهر رياء وسمعة . والنهي عن إبطال العمل وعن إبطال الصدقات بالمن والأذى أمر بهذا القسم من الصبر . وأما المعاصي ، فلكون جميعها مما تشتهيها النفس . فصبرها عليها شديد ، وعلى المألوفة المعتادة أشد ، إذ العادة كالطبيعة الخامسة ، ولذا ترى أن كل معصية شاعت وتكررت ثقل استنكارها ، فإن الاستبعاد في مثل لبس الحرير أكثر من الاستبعاد في أطلاق اللسان طول النهار في أعراض الناس ، مع أن الغيبة أشد من الزنا ، كما نطقت به الأخبار . فإذا انضافت العادة إلى الشهوة ، ظهر جندان من جنود الشيطان على جند الله ، فيصعب تركها . ثم المعصية أن كانت مما يسهل فعلها ، كان الصبر عنها أشد ، كمعاصي