ملا محمد مهدي النراقي
228
جامع السعادات
تيسر الصبر ولم يكن له تعب ومشقة ، كما قال الله سبحانه : ( فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى ) 24 ومتى تيسر الصبر وصار ملكة راسخة أورث مقام الرضا ، وإذا أدام مقام الرضا أورث مقام المحبة . وكما أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا ، فكذلك مقام الرضا أعلى من مقام الصبر . ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( أعبد الله على الرضا ، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير ) . قال بعض العارفين : ( أهل الصبر على ثلاث مقامات : الأول : ترك الشكوى ، وهذه درجة التائبين . الثاني : الرضا بالمقدر ، وهذه درجة الزاهدين . الثالث : المحبة لما يصنع به مولاه ، وهذه درجة الصديقين ) . وكأن هذا الانقسام مخصوص بالصبر على المكروه بالمصائب والمحن . ثم باعث الصبر إما إظهار الثبات وطمأنينة القلب عند الناس ، ليكون عندهم مريضا ، كما نقل عن معاوية : أنه أظهر البشاشة ، وترك الشكوى في مرض موته وقال : وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتزعزع وهذا صبر العوام ، وهم الذين يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، أو توقع الثواب ونيل الدرجات الرفيعة في دار الآخرة ، وهذا صبر الزهاد والمتقين ، وإليه إشارة بقوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) 25 أو الالتذاذ والابتهاج بورود المكروه من الله سبحانه . إذ كل ما يريد من المحبوب محبوب ، والمحب يشتاق إلى التفات محبوبه ، ويرتاح به ، وإن كان ما يؤذيه ابتلاء وامتحانا له ، وهذا صبر العارفين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا أنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) 26
--> ( 24 ) الليل ، الآية : 5 / 7 ( 25 ) الزمر ، الآية : 10 ( 26 ) البقرة ، الآية : 155 - 157 .