ملا محمد مهدي النراقي
219
جامع السعادات
أو يزيد ثوابهم وترفع درجاتهم . فليقدر نفسه منهم مع إجابة دعوته ورده إلى الدنيا ، فليصرف بقية عمره فيما يشتهي أهل القبور العودة لأجله . الرابع - أن يتذكر بعض ما ورد عليه في بعض أيام عمره من المصائب العظيمة والأمراض الصعبة التي ظن هلاك نفسه بها ، فليتصور أنه هلك بها ويغتنم الآن حياته وماله من النعم ، فليشكر الله على ذلك ، ولا يتألم ولا يحزن من بعض ما يرد عليه مما ينافي طبعه . الخامس - أن يشكر في كل مصيبة وبلية من مصائب الدنيا من حيث إنه لم تصبه مصيبة أكبر منها ، وإنه لم تصبه مصيبة في الدين . ولذلك قال عيسى ( ع ) في دعائه : ( اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني ! ) . وقال رجل لبعض العرفاء : ( دخل اللص في بيتي وأخذ متاعي ) ، فقال له : ( اشكر الله لو كان الشيطان يدخل بدله في قلبك ويفسد توحيدك ، ماذا كنت تصنع ؟ ) . ومن حيث أن كل مصيبة إنما هي عقوبة لذنب صدر منه ، فإذا حلت به هذه العقوبة حصلت له النجاة من عقوبة الآخرة ، كما قال رسول الله ( ص ) : ( إن العبد إذا أذنب ذنبا فإصابته شدة أو بلاء في الدنيا ، فالله أكرم من أن يعذبه ثانيا ) . وقد ورد هذا المعنى بطرق متعددة من أئمتنا - عليهم السلام - أيضا ، فليشكر الله على تعجيل عقوبته وعدم تأخيرها إلى الآخرة . ومن حيث أن هذه المصيبة كانت مكتوبة آتية إليه البتة ، فقد أتيت وفرغ منها . ومن حيث أن ثوابها أكثر منها وخير له ، لما يأتي في باب الصبر من عظم مثوبات الابتلاء بالمصائب في الدنيا ومن حيث أنها تنقص في القلب حب الدنيا والركون إليها ، وتشوق إلى الآخرة وإلى لقاء الله سبحانه . إذ لا ريب في أن من آتاه النعم في الدنيا على وفق المراد ، من غير امتزاج ببلاء ومصيبة ، يورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأنسا بها ، حتى تصير كالجنة في حقه ، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته ، وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا ولم يأنس بها ، وصارت الدنيا سجنا عليه وكانت نجاته منها كالخلاص من السجن . ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) فمحن الدنيا ومصائبها ورياضاتها توجب انزعاج النفس عنها ، والتفاتها إلى عالمها الأصلي ، وتشوقها إلى