ملا محمد مهدي النراقي

220

جامع السعادات

الخروج عنها إليه ورغبتها إلى لقاء الله وما أعد في دار الآخرة لأهلها . فإن قلت : غاية ما يتصور في البلاء أن يصبر عليه ، وأما الشكر عليه فغير متصور ، إذ الشكر إنما يستدعي نعمة وفرحا ، والبلاء مصيبة وألم فكيف يشكر عليه ؟ وعلى هذا ينبغي ألا يجتمع الصبر والشكر على شئ واحد ، إذ الصبر يستدعي بلاء وألما ، والشكر يستدعي نعمة وفرحا ، فهما متضادان غير مجتمعين ، فكيف حكمتم باجتماعهما في المصائب والبلايا الدنيوية ؟ قلنا : كل واحد من النعمة والبلاء ينقسم إلى مطلق ومقيد . فالنعمة المطلقة كسعادة الآخرة والعلم والإيمان والأخلاق الحسنة في الدنيا ، والنعمة المقيدة في الدنيا - أي ما هو نعمة وصلاح من وجه وبلاء وفساد من وجه - كالمال الذي يصلح الدين من وجه ، ويفسده من وجه . والبلاء المطلق ، كشقاوة الآخرة والكفر والجهل والأخلاق السيئة والمعاصي في الدنيا ، والبلاء المقيد ، كمصائب الدنيا ، من الفقر والخوف والمرض وسائر أقسام المحن والمصائب ، فإنها وإن كانت بلاء في الدنيا ، ولكنها نعم في الآخرة . وعنه التحقيق لا تخلو عن تكفير الخطيئة ، أو رياضة النفس ، أو زيادة التجرد أو رفع الدرجة . فالنعمة المطلقة بإزائها الشكر المطلق ، ولا معنى لاجتماع الصبر معه ، والصبر الذي يجتمع معه لا ينافيه ، كما يأتي . والبلاء المطلق لم يؤمر بالصبر عليه ، إذ لا معنى للصبر على الكفر والمعصية ، بل يجب عدم الصبر عليه والسعي في تركه . وأما البلاء المقيد ، فهو الذي يجتمع فيه الصبر والشكر ، وليس اجتماعهما من جهة واحدة حتى يلزم اجتماع الضدين ، بل الصبر من حيث إيجابه الاغتمام والألم في الدنيا ، والشكر من حيث أدائه إلى سعادة الآخرة وغيرها مما ذكر . ثم لو لم يصبر على جهة شريفة ، ولم يشكر على جهة خيرية ، صار بلاء مطلقا لزم تركه بالرجوع إلى الصبر والشكر . وأما النعمة المقيدة ، كالمال والثروة ، فإن أدت إلى إصلاح الدين كانت نعمة مطلقة يجب عليها الشكر ، ولم يكن محلا للصبر ، وإن أدت إلى فساده كانت بلاء مطلقا واجب الترك ، وإن أدت إلى بلاء الدنيا ، كأن يصير ماله سببا لهلاك أولاده ، وفساد مزاجه ويصير فوته باعثا لابتلائه ببعض المصائب الدنيوية ، كان حكمه حكم البلاء