ملا محمد مهدي النراقي

210

جامع السعادات

واستقصاء ذلك في كل طعام طويل . فلنأخذ رغيفا واحدا ، وننظر إلى بعض ما يحتاج إليه حتى يستدير ويصلح للأكل ، إذ بيان جميع ما يحتاج إليه حتى يستدير الرغيف الواحد ليس ممكنا ، فنقول : أول ما يتوقف عليه هذا الرغيف الأرض ، ثم القاء البذر فيها ، ثم الثور الذي يثير الأرض مع آلته ، كالفدان وغير ذلك ، ثم تنقية الأرض من الحشائش ، والتعهد بسقي الماء إلى أن يعقد الحب ويبدو صلاحه ، ثم الحصاد ، ثم الفرك ، ثم التنقية والتصفية ، ثم الطحن ، ثم العجن ، ثم الخبز . فتأمل عدد هذه الأفعال ، واستحضر سائر الأفعال التي لم نذكرها ، ثم تذكر عدد الأشخاص القائمين بها ، وعدد الآلات التي يحتاج إليها . من الحديد والخشب والحجر وغيرها . وانظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة والتصفية والطحن والخبز من تجارة وحدادة وغيرهما ، واحتياج كل منها إلى آلات كثيرة . ثم انظر كيف ألف الله سبحانه بين قلوب هؤلاء الصناع المصلحين ، وسلط عليهم الأنس والمحبة ، حتى ائتلفوا واجتمعوا وبنوا المدن والبلاد ، ورتبوا المساكن والدور متجاورة متقاربة ، وبنوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع ، ولو تفرقت آراؤهم ، وتنافرت طباعهم تنافر طباع الوحوش ، لتبددوا وتباعدوا ، ولم ينتفع بعضهم ببعض . ثم لما كان في جبلة الإنسان الغيظ والعداوة ، والحسد والمنافسة ، والانحراف عن الحق ، ربما زالت المحبة بين البعض لأعراض ، فيزدحمون عليها ، ويتنافسون فيها ، وربما أدى إلى التنافر والتقابل . فبعث الله الأنبياء بالشرائع والقوانين ليرجعوا إليها عند التنازع ، فيرتفع نزاعهم . ثم بعث الله العلماء الذين هم ورثة الأنبياء لحفظ هذه الشرائع والعلم بها . وبعث الله السلاطين حتى يقيموا الناس قهرا عليها لو أرادوا التخلف عنها ، فسلط الله السلاطين أولى القوة والعدة على الناس ، وألقى رعبهم في قلوبهم ، وألهمهم إصلاح العبادة ، بأن رتبوا الرؤساء والقضاة والحكام والسجن والأسواق واضطروا الخلق إلى قانون الشرع والعدل ، وألزموهم التآلف والتعاون ، ومنعوهم عن التفرق والتباغض فإصلاح الرعايا والصناع بالسلاطين ، وإصلاح السلاطين بالعلماء ، وإصلاح العلماء بالأنبياء ، وإصلاح الأنبياء بالملائكة